رأيمنوعات

الأستاذ: بكري موسى عبدالرحمن.. قامة تربوية صنعت المجد بصمت

 

الأستاذ : بكري موسى عبدالرحمن.. قامة تربوية صنعت المجد بصمت

 

بقلم : أحمد محمد 

 

في أطراف القرى البسيطة، حيث تبدأ الحكايات العظيمة بصمت، يولد رجال يتركون أثراً لا تمحوه السنوات، لأنهم اختاروا أن يكونوا رسلاً للعلم وبناةً للوعي وصنّاعاً للأجيال. وحين يُفتح سجل التعليم في قرية أم بليل بولاية القضارف، يسطع اسم الأستاذ بكري موسى عبدالرحمن كواحد من أبرز الرموز التربوية التي كرّست حياتها لخدمة الإنسان والتعليم والمجتمع.

 

لم يكن الأستاذ بكري مجرد معلم يؤدي واجباً وظيفياً داخل الفصول الدراسية، بل كان مدرسة متكاملة في الأخلاق والعطاء والانضباط والإنسانية.

رجل آمن بأن التعليم رسالة سامية، وأن بناء العقول أعظم استثمار يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه ومجتمعه.

لذلك وهب سنوات عمره من أجل تعليم أبناء قريته والقرى المجاورة، وظل يحمل همّ المدرسة والطلاب والمستقبل في قلبه وعقله.

 

ينتمي الأستاذ بكري موسى عبدالرحمن إلى الرعيل الأول من المعلمين الذين عملوا في ظروف بالغة الصعوبة، في زمن كانت فيه المدارس محدودة الإمكانات، وكان الوصول إلى التعليم يمثل تحدياً كبيراً للأسر في الأرياف.

 

لكن تلك الظروف لم تكن عائقاً أمام عزيمته، بل زادته إصراراً على أداء رسالته بكل إخلاص وتجرد، فكان حاضراً في كل تفاصيل العملية التعليمية، معلماً ومربياً وناصحاً وأباً روحياً لتلاميذه.

 

ومن خلال عمله بمدرسة أم بليل الابتدائية، أسهم الأستاذ بكري في تعليم أجيال متعاقبة، خرج من بينهم أطباء ومهندسون ومعلمون وضباط وموظفون في مختلف المجالات، وكلهم يحملون في ذاكرتهم صورة ذلك المعلم الوقور الذي كان يزرع فيهم الثقة والطموح والانضباط قبل أن يلقنهم الدروس الأكاديمية.

 

لقد كان التعليم بالنسبة له رسالة حياة، لذلك لم يقتصر عطاؤه على ساعات الدراسة داخل الفصول، بل امتد إلى متابعة الطلاب وتوجيههم وغرس القيم النبيلة في نفوسهم.

 

وكان يؤمن بأن المعلم الحقيقي لا يصنع طالباً ناجحاً فقط، وإنما يصنع إنساناً صالحاً قادراً على خدمة مجتمعه ووطنه.

 

وعُرف الأستاذ بكري بأخلاقه الرفيعة وأدبه الجم وتواضعه الكبير، فكان محبوباً لدى الجميع، قريباً من الناس، يشاركهم مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، ويحظى باحترام واسع وسط المجتمع.

 

وقد استطاع عبر سلوكه الراقي وشخصيته الحكيمة أن يكون قدوة للأجيال ومثالاً يُحتذى به في الأخلاق والتعامل الإنساني.

 

ولم يكن حضوره مقتصراً على التعليم وحده، بل كان نجماً لامعاً في مجالات الثقافة والرياضة والعمل الاجتماعي والخدمي.

 

فقد اهتم بالأنشطة الثقافية داخل المدرسة، وشجع الطلاب على القراءة والمطالعة والمشاركة في البرامج الثقافية، إيماناً منه بأن الثقافة تصنع وعياً متقدماً وتفتح آفاق التفكير أمام الشباب.

 

كما كان من الداعمين للنشاط الرياضي، مدركاً لأهمية الرياضة في بناء الشخصية وتعزيز روح التعاون والانضباط بين الطلاب.

 

وكان يرى أن المدرسة ليست مكاناً لتلقي الدروس فقط، بل فضاءً متكاملاً لصناعة الإنسان فكرياً وأخلاقياً وبدنياً.

 

وفي الجانب الاجتماعي، ظل الأستاذ بكري حاضراً في كل المبادرات التي تهدف إلى خدمة المجتمع وتطوير القرية، فشارك في أعمال الخير والإصلاح والتوعية، وأسهم في ترسيخ قيم التكافل والتعاون بين الناس.

وكان صوته دائماً داعماً للتعليم والتنمية، وحريصاً على أن تظل المدرسة مركز إشعاع حضاري وثقافي داخل المجتمع.

 

لقد مثّل الأستاذ بكري موسى عبدالرحمن نموذجاً فريداً للمعلم الرسالي الذي يعمل بصمت وإخلاص دون انتظار مقابل أو تكريم.

 

ورغم السنوات الطويلة التي قضاها في ميدان التعليم، ظل محتفظاً بروحه المتفائلة وشغفه الكبير بالعطاء، يواصل تقديم خبراته ونصائحه لكل من حوله، إيماناً منه بأن العلم رسالة لا تتوقف.

إن الحديث عن الأستاذ بكري هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ التعليم في الريف السوداني، وعن جيل من المعلمين الذين حملوا مشاعل النور وسط التحديات، وأسهموا في صناعة الوعي وبناء المجتمع.

 

فهو واحد من الرجال الذين لا يمكن أن تنساهم الذاكرة، لأن أثرهم باقٍ في النفوس وفي مسيرة الحياة.

 

وسيظل اسم الأستاذ بكري موسى عبدالرحمن محفوراً في ذاكرة أم بليل وكل المناطق التي عمل بها، باعتباره علماً من أعلام التربية والتعليم، ورمزاً للعطاء الإنساني الصادق، وشخصية استثنائية كرّست حياتها لخدمة الناس ونشر العلم والقيم النبيلة.

 

إن الأوطان لا تصنعها المباني وحدها، بل يصنعها رجال أوفياء حملوا رسالة النور وسط العتمة، وآمنوا بأن التعليم هو الطريق الحقيقي لبناء المستقبل.

والأستاذ بكري موسى عبدالرحمن واحد من تلك القامات النادرة التي صنعت المجد بصمت، وتركت خلفها إرثاً من العلم والمحبة والوفاء سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال لسنوات طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى