رأي

السفير.د.معاوية البخاري يكتب : بين حصار الموانئ وتهديد هرمز: مفاوضات إسلام آباد في ظل ضغط الخيارات الأمريكية وتصلّب الموقف الإيراني!؟

مدخل: مفاوضات على حافة التصعيد
تتجه الأنظار إلى الجولة التفاوضية المزمعة في إسلام أباد، وسط مناخ إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تختلط رهانات الدبلوماسية بحسابات القوة الصلبة. فبينما تلوّح واشنطن بسلسلة من الخيارات، تتراوح بين الضغط الاقتصادي والتصعيد العسكري، تتمسك طهران بموقفها الرافض للانخراط في مفاوضات تُدار تحت وطأة الحصار أو التهديد، سواء عبر تشديد القيود على الموانئ أو عبر التوتر المتصاعد في مضيق هرمز. وفي ظل غياب أرضية واضحة للمصالح المشتركة، وتراجع منسوب الثقة والاحترام المتبادل، تتداخل عوامل داخلية أمريكية، من ضغوط الكونغرس الأمريكي إلى تأثير المجمعات الصناعية، مع حسابات إقليمية تتقدمها الرؤية الإسرائيلية، لتجعل من هذه الجولة اختبارًا حقيقيًا لإمكانية الانتقال من إدارة الأزمة إلى تسويتها، أو الانزلاق نحو مسار أكثر تصعيدًا. في ظل عدم قبول إيران بالتوجه للمفاوضات دون رفع الحصار.

أولًا: خيارات ترامب كأدوات ضغط لا مسارات حل
في هذا السياق، تبدو “خيارات ترامب الخمسة” أقرب إلى خريطة ضغط مركّبة منها إلى بدائل مستقلة. فالتمسك بالشروط القصوى، من وقف طويل الأمد للتخصيب إلى إعادة ضبط السلوك الإقليمي، يرفع سقف التفاوض إلى مستوى يصعب على طهران قبوله دون مقابل واضح. كما أن خيار “شراء الوقت” والعودة تشارف على الانتها، لا يتجاوز كونه هدنة تكتيكية، بينما يظل “الحل الوسط” معلقًا في الفراغ ما لم يُدعّم بآلية تبادلية دقيقة تضمن توازن الالتزامات.

ثانيًا: معضلة الإكراه… حين تُفسد أدوات الضغط فرص التفاوض
تكمن المفارقة في أن أدوات الضغط ذاتها، حصار الموانئ والتلويح بأمن الملاحة في
مضيق هرمز، تُقوّض البيئة اللازمة لأي اتفاق. فطهران تنظر إلى هذه السياسات باعتبارها محاولة لفرض التفاوض تحت الإكراه، وهو ما يفسّر تصلّبها واشتراطها تخفيفًا ملموسًا للضغوط قبل الانخراط الجاد. في المقابل، ترى واشنطن أن استمرار الضغط هو الضامن الوحيد لانتزاع تنازلات حقيقية، ما يُبقي الطرفين في دائرة مغلقة: ضغط بلا ثقة، وتفاوض بلا أرضية مشتركة.

ثالثًا: غياب المصالح المشتركة وتآكل الثقة
لا يمكن لأي اتفاق أن يصمد دون تعريف واضح للمصالح المشتركة. غير أن الواقع الحالي يعكس تباعدًا حادًا تحفه تصريحات متضاربة:

• واشنطن تسعى إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي.
• طهران تطالب برفع العقوبات وضمانات سيادية واضحة.
في ظل هذا التباعد، يغيب الإطار الذي يسمح بتحويل “الحل الوسط” إلى اتفاق فعلي، وتبقى الثقة عنصرًا مفقودًا في معادلة معقّدة.

رابعًا: تأثير الداخل الأمريكي وحسابات السياسة
تتأثر خيارات الإدارة الأمريكية ببيئة داخلية ضاغطة، حيث يرفع الجدل داخل الكونغرس الأمريكي والضخ الإعلامي كلفة أي تنازل. كما تلعب اعتبارات الانتخابات والمصالح المرتبطة بالمجمعات الصناعية دورًا في تعزيز خطاب التشدد، ما يحدّ من هامش المناورة السياسية ويدفع نحو إبقاء الخيار العسكري مطروحًا.

خامسًا: العامل الإسرائيلي ودفع مسار التصعيد
لا يمكن إغفال تأثير إسرائيل في توجيه مسار الأزمة، حيث تميل رؤيتها إلى تقويض القدرات الإيرانية بدل احتوائها، ومنع اي توافق بين إيران وأمريكا. هذا التوجه يضغط باتجاه التشدد، ويجعل أي تسوية جزئية تبدو وكأنها تنازل استراتيجي غير مقبول، ما يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق متوازن.

سادسًا: كلفة المشهد على الخليج والإقليم
لا تقف تداعيات هذا التصعيد عند حدود الأطراف المباشرة، بل تمتد لتصيب عمق الاستقرار في الخليج ودول المنطقة. فالتوتر المستمر في مضيق هرمز يهدد شريان الطاقة العالمي، ما ينعكس مباشرة على أسواق النفط والتأمين البحري وكلفة الشحن، ويضع اقتصادات دول الخليج أمام ضغوط مركّبة بين تقلب العائدات وارتفاع المخاطر الأمنية. كما أن عسكرة الممرات البحرية تفتح الباب أمام حوادث غير محسوبة قد تتطور إلى مواجهات أوسع، بما يهدد البنية التحتية الحيوية والموانئ الاستراتيجية في المنطقة. وإلى جانب الكلفة الاقتصادية، يتعاظم العبء الأمني، حيث تضطر دول الخليج إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية وتعزيز تحالفاتها، في وقت تتزايد فيه مخاوف الاستثمار وتتراجع ثقة الأسواق. أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن استمرار هذا المشهد يعمّق الاستقطاب، ويؤخر مشاريع التنمية والتكامل، ويجعل المنطقة رهينة لدورات متكررة من التوتر بدل التحول نحو الاستقرار المستدام.

خاتمة: بين إدارة الأزمة وإمكانية الحل
في المحصلة، يبدو أن تمديد الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار لا يعكس تحولًا جوهريًا في مسار الأزمة بقدر ما يمثل إعادة تموضع تكتيكي لإدارة التوتر لا إنهائه. فواشنطن، عبر هذا التمديد، تحاول كسب الوقت وإبقاء مسارات الضغط مفتوحة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، بينما تواصل استخدام أدوات الردع في محيط مضيق هرمز كورقة تفاوض غير مباشرة.
في المقابل، يعكس الموقف الإيراني الرافض للعودة إلى طاولة التفاوض قبل رفع الحصار عن موانئه انتقالًا واضحًا من موقع التفاعل إلى موقع الاشتراط؛ إذ تسعى طهران إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن أي عملية تفاوضية لا يمكن أن تبدأ تحت الإكراه الاقتصادي أو العسكري. وهذا التباعد في منطلقات الطرفين يُبقي فجوة الثقة قائمة، ويُضعف فرص الانتقال إلى مسار تفاوضي منتج.
وعليه، فإن مفاوضات إسلام آباد، إن كُتب لها الانعقاد، لن تكون مجرد جولة تفاوض تقليدية، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الطرفين لإعادة تعريف قواعد الاشتباك: من سياسة حافة الهاوية إلى منطق التبادلية المشروطة. فبدون خطوة أمريكية ملموسة—ولو جزئية—في اتجاه تخفيف القيود على الموانئ، وبدون إبداء إيراني مرونة محسوبة تجاه آليات التفاوض المرحلي، سيظل تمديد وقف إطلاق النار إطارًا هشًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار ميداني.
وفي ظل هذا المشهد، تظل المنطقة رهينة لتوازن دقيق بين التهدئة المؤقتة والتصعيد المؤجل؛ حيث لا يكفي تأجيل المواجهة لصناعة السلام، كما لا يمكن فرض التسوية من طرف واحد. وحده الانتقال إلى مقاربة “خطوة مقابل خطوة” القائمة على إجراءات متبادلة وقابلة للتحقق، قد يفتح نافذة ضيقة نحو صفقة مستدامة، وإلا فإن الأزمة مرشحة للاستمرار كحالة إدارة صراع، لا كمسار حل.
—————-
٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى