عبر صحيفة وإذاعة المهجر الدولية بواشنطن.. محمد صالح اورتشي يكتب : الذكري السنوية لرحيل الفنان الذري ابرهيم عوض

في أحد أحياء الخرطوم القديمة، كان المساء يهبط بهدوء، وصوت الراديو يتسلل من النوافذ الطينية حاملاً أغنيات إبراهيم عوض التي أحبها الناس كما يحبون المطر بعد القحط .
لكن أهل الحي لم يحبوه فقط لصوته العذب، بل لقلبه الذي كان أوسع من الخيال وفيه الدفئ والحنان.
في ذات ليلة باردة، خرج إبراهيم عوض من إحدى الحفلات متعبًا، يحمل عوده بيد، وابتسامته المعتادة باليد الأخرى. وبينما كان يهم بركوب سيارته، لمح طفلًا صغيرًا يجلس قرب الرصيف، يرتجف من البرد ويضع اكوام متواضعة من البلح علي قطعة كرتونة لبيعها للمارة .
اقترب منه بهدوء وسأله: — لماذا أنت هنا في هذا الوقت يا ولدي؟
أخفض الطفل رأسه وقال: أمي مريضة… ولم نجد ثمن الدواء.
صمت الفنان قليلًا، ثم خلع معطفه ووضعه على كتفي الطفل، وأخرج ما كان قد تقاضاه من أجر الحفل ووضعه في يده الصغيرة.
قال له: الليلة لا تبع شيئًا… اذهب لأمك فقط.
لم يعرف الطفل من يكون الرجل، لكن دموعه سبقته بالشكر.
في اليوم التالي، انتشر الخبر في الحي، وعرف الناس أن الفنان الكبير عاد إلى منزله دون أجر تقريبًا، لكنه عاد بقلب ممتلئ بالرضا.
ومرت السنوات، وكبر الطفل، وأصبح طبيبًا يعالج الفقراء مجانًا كلما استطاع. وكان كلما سأله أحد عن سبب اختياره لهذا الطريق، يبتسم ويقول:
ذات ليلة، علمني رجل بصوته الجميل أن الفن الحقيقي ليس ما نغنيه للناس فقط… بل ما نزرعه في قلوبهم.
ثم ينظر إلى صورة الفنان إبراهيم عوض المعلقة على الجدار، ويتمتم: — رحم الله الإنسان الذي كان يغني بلسانه… ويعزف الخير بيديه.
و في زمن كانت فيه الشهرة تفتح أبواب القصور، كان الفنان إبراهيم عوض يفتح باب بيته البسيط للفقراء قبل الأصدقاء.
ذات صباح، وبينما كان يستعد لتسجيل أغنية جديدة في إذاعة أم درمان، لاحظ رجلًا مسنًا يقف خارج المبنى بثياب متعبة ووجه أنهكه الزمن. كان الحارس يحاول إبعاده ظنًا أنه متسول.
اقترب إبراهيم عوض وسأل الرجل بلطف: — ماذا تريد يا عم؟
قال الرجل بصوت مرتجف ابنتي ستتزوج غدًا… ولم أستطع شراء حتى ثوب الفرح لها.
ساد الصمت للحظات، ثم أمسك الفنان بيد الرجل وأدخله معه إلى الداخل. وبعد انتهاء التسجيل، أخذ أجره كاملًا ووضعه في يد الرجل دون أن يعده أو يسأله عن شيء.
ارتبك الرجل وقال: يا أستاذ… هذا كثير.
ابتسم إبراهيم عوض وقال: — فرحة البنات لا تُؤجل يا عم.
وفي المساء، غنى في الحفل كعادته، لكن المقربين منه لاحظوا أنه كان أكثر سعادة من الجمهور نفسه. لم يكن فرحه بالأغنية، بل لأنه استطاع أن يرسم ابتسامة في بيت فقير.
بعد سنوات طويلة، أصبحت تلك العروس معلمة معروفة في الحي، وكانت دائمًا تخبر تلاميذها: هناك رجال يصنعون المجد بأصواتهم… ورجال يصنعون الإنسانية بقلوبهم، و الفنان ابراهيم عوض كان الاثنين معًا.
وبقي اسم الفنان إبراهيم عوض في ذاكرة الناس، ليس فقط كفنان كبير، بل كإنسان كان يرى في مساعدة البسطاء أجمل لحن يمكن أن يقدمه للحياة.
وأنا في هذه الذكرى اختزلت شذرات من عمل القلوب ومن التكافل السوداني الأصيل.
لم اتعرض للآلات الموسيقية التي ادخلها ولا للالخان الراقصة ولا طريقة اللبس لاني ذكرت ذلك سابقا.
اللهم ارحم الذري واحفظ زوجته وابناءه و أسرته ووفقهم في جميع مناحي الحياة لا سيما وان والدهم كان من عظماء السودان.
محمد صالح اورتشي
حي العمدة-امدرمان
حاليا في القاهرة








