عبر صحيفة وإذاعة المهجر الدولية بواشنطن .. قصة الدكتور النور عبد المجيد.. أستاذ جامعي ترك قاعات التدريس بسبب الحرب في السودان، واتجه للعمل بسوق الخضار بمدينة القضارف

عبر صحيفة وإذاعة المهجر الدولية بواشنطن .. قصة الدكتور النور عبد المجيد.. أستاذ جامعي ترك قاعات التدريس بسبب الحرب في السودان، واتجه للعمل بسوق الخضار بمدينة القضارف

سخّر كل مدخرات اغترابه في إنشاء مركز الدكتور النور الأكاديمي، لكن الحرب قضت عليه تمامًا.
ورغم خبراته العملية والعلمية المكتسبة من التدريس في الجامعات السودانية والسعودية، ظلّ عمله سائق تاكسي – ثم بائع خضار – حافلًا بالقصص والدروس الإنسانية.
حاوره / السمؤال محمد يوسف

مع اندلاع الحرب في السودان، وجد كثير من الشباب والرجال أنفسهم في دوامةٍ قاسية بين البطالة القسرية والنزوح الإجباري.
وفي خضم هذا المشهد المنقسم بين من يسعى للهجرة خارج البلاد، ومن يبتعد عن الواقع الداخلي، برزت فئة أخرى اختارت إعادة بناء ذاتها من داخل هذا الواقع، بوسائل قد تبدو بسيطة، لكنها تعكس وعيًا عميقًا بمحدودية الخيارات، وإصرارًا على إيجاد موطئ قدم كريم.
ومن بين هذه النماذج النادرة والمُلهمة، يبرز اسم الدكتور النور عبد المجيد، الذي أجبرته الحرب على مغادرة قاعات التدريس بالجامعات والمراكز البحثية، ليعمل بائعًا للخضروات في أحد أسواق مدينة القضارف شرقي السودان.
رفع الدكتور النور شعارًا واضحًا:
الكرامة لا تتبدل بتبدل المواقع، والعمل – مهما تغيّر شكله – يظل فعلًا من أفعال الصمود، والأمل لا تطفئه رياح اليأس مهما اشتدت.
هكذا ظلّ نموذجًا لرجلٍ لم تُقعده الظروف، ولم يستسلم لواقعٍ مفروض.

جامعة الخرطوم.. نقطة البداية
يقول الدكتور النور: إن التعيين بالجامعة يُعد حلمًا لكل طالب متميز، لذلك غمرتني فرحة كبيرة عندما تم تعييني مساعد تدريس بقسم الأحياء، كلية التربية – جامعة الخرطوم، في مايو 1993م، ثم محاضرًا في أبريل 1998م.
لاحقًا انتقلت للعمل متعاقدًا بكلية المعلمين في الرياض (جامعة الملك سعود)، شأن أغلب أساتذة الجامعات في تلك الحقبة، لاكتساب خبرات جديدة وتحسين الوضع المعيشي لفترة محدودة، على أمل العودة للسودان أكثر استقرارًا وقدرة على العطاء المؤثر.
تجربتي بالجامعات السعودية
كانت تجربتي في الجامعات السعودية ثرّة ومفيدة للغاية.
عملت معيدًا بقسم علم الأحياء بكلية المعلمين بالرياض (جامعة الملك سعود) خلال الفترة من أبريل 1998م وحتى أغسطس 2009م، ثم عضو هيئة تدريس بقسم علم الأحياء – كلية العلوم، جامعة حائل، من سبتمبر 2009م وحتى أغسطس 2019م.
شاركت خلال تلك السنوات في لجان البرامج الأكاديمية، وإرشاد الطلاب، والجودة، إضافة إلى تنفيذ عدد من المشاريع البحثية، خاصة في مجال انتشار الطفيليات عبر الطيور والخضروات المأكولة نيئة.
حلم العودة إلى جامعة الخرطوم
بعد عودتي إلى السودان عام 2020م، تعذر التحاقي بجامعة الخرطوم بسبب جملة من المتغيرات، أبرزها الاضطرابات السياسية وجائحة كورونا، والتي أثّرت على سلاسة الحياة لكل السودانيين.
التحقت بجامعة القضارف في نوفمبر 2020م وحتى أغسطس 2021م، حيث شغلت منصب نائب أمين الشؤون العلمية.
لكنني قدمت استقالتي لظروف أسرية قاهرة، إذ كان أحد أبنائي كثير المرض، وكان لا بد من بقائي إلى جانبه بالخرطوم. وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يتوفاه بعد أدائه لامتحانات الشهادة الثانوية.
من قاعات التدريس إلى قيادة التاكسي
بعد ذلك طرقت أبواب عدد من الجامعات الخاصة، بل وحتى المدارس الثانوية، دون أن يكتب الله لي التوفيق في التوظيف.
فعملت سائق تاكسي بسيارتي الخاصة حتى اندلاع الحرب.
محاولة أخيرة للعودة إلى جامعة الخرطوم
عقب تغيير إدارة جامعة الخرطوم، تواصل معي مشكورًا عميد كلية التربية الحالي، للتقديم مرة أخرى. وبدأت فعليًا تدريس طلاب البكالوريوس والدراسات العليا بصفة متعاون.
غير أن عودتي الرسمية للخدمة تعذرت باعتذار من مدير الجامعة.
ومن المؤلم حقًا أن يمتلك الإنسان ما يفيد به الناس، ثم تحول دون ذلك تصورات ورؤى أصحاب القرار.
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام.

الحرب تقضي على الحلم الأكاديمي
قبل اندلاع الحرب، شرعت في إنشاء مركز الدكتور النور الأكاديمي للخدمات والاستشارات التعليمية لجميع المراحل، داخل منزلي، بما تبقى من مدخرات الاغتراب.
قمت بدمج شقتين مفروشتين، وإجراء التعديلات اللازمة، واستخراج التصاديق الرسمية، ووضع الخطة البرامجية للمركز.
لكن الحرب اندلعت في اليوم ذاته المقرر لافتتاح المركز، وقضت على كل شيء مادي.
سَلِمت الأرواح والعزيمة – ولله الحمد.
بعدها عدت إلى أهلي بالقضارف، ودخلت سوق الخضار، بعون الله ثم بعون زملائي من بائعي الخضار، فجزاهم الله خير الجزاء.
بين العمل الأكاديمي وغلاء المعيشة
العمل الأكاديمي والبحثي هو الأنسب لقدراتي وتأهيلي، ومن خلاله أستطيع خدمة الناس وتحقيق الرضا النفسي.
لكن – للأسف – لا يوفر حاليًا دخلًا يكفي لمجابهة تكاليف المعيشة.
لذا أرى أنه إذا تيسّر لي تحقيق سعة مالية من خلال بيع الخضار أو إعادة تشغيل مركزي الأكاديمي، فسأقتطع من وقتي لممارسة العمل الأكاديمي، سواء كنت معينًا أو متعاونًا، بمقابل أو دون مقابل.
الصبر والإصرار
الحياة لا تسير كما يشتهي الإنسان، فهي ليست جنة يدوم صفاؤها، بل مليئة بالشدائد.
لذلك لا بد من الصبر، والإصرار، وعدم الاستسلام لليأس، فكل شدة يعقبها فرج من الرحمن.
رسالتي للشباب
جلوس الإنسان – دون عذر – بلا عمل أمر لا يستقيم في دين الله، لأن العمل عبادة.
ومن لا يحترم نفسه بالعمل الشريف، لن يحترمه الآخرون.
أما مسألة العودة للوطن أو الهجرة، فهي تقدير شخصي يختلف باختلاف الظروف، لكن الأهم ألا يكون الإنسان سبهللاً.
وقد روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«إني لأكره أن أرى أحدكم فارغًا سبهللاً، لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة».
كلمة أخيرة
الشكر والتقدير للأخوة الاحباء في صحيفة وإذاعة المهجر الدولية بواشنطن، على اهتمامهم المتواصل بقضايا المجتمع السوداني.
وشكري الخاص للأستاذ فهر عبد الرحمن، رئيس مجلس الإدارة.
جعلَكم الله أصواتًا ومناراتٍ للحقيقة والفضيلة.
السيرة الذاتية
الاسم: النور عبد المجيد علي
الميلاد: مدينة القضارف – 1967م
المؤهلات العلمية:
بكالوريوس العلوم والتربية (علوم بيولوجية) – مرتبة الشرف الأولى
كلية التربية، جامعة الخرطوم – 1993م
ماجستير العلوم البيولوجية (علم الطفيليات والنواقل)
جامعة الخرطوم – 1998م
ماجستير التربية (مناهج وطرق تدريس العلوم)
جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا – 2004م
دكتوراه العلوم البيولوجية (علم الطفيليات والنواقل)
جامعة الخرطوم – 2008م








