رأي

همسه وطنيه دكتور طارق عشيري يكتب : لغة الصمت في السودان ما بعد الحرب

عندما اقمت في سلطنه عمان مده عامان كان اول حديث من شقيقي الاصغر ان (لغه الصمت هي شعارك في هذه البلاد) لاتتحدث( فيما لايعنيك )فكانت نصيحَةٍ غالية رغم انني شاركت في عدد من اللقاءات كان الاستماع اكثر من التحدث لان في زمن الضجيج، يصبح( الصمت عملة نادرة)… وفي زمن الجراح، يصبح( الكلام مسؤولية). السودان اليوم، الخارج من رحم الحرب، لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار طرقه ومؤسساته، بل إلى( إعادة ضبط لغته)… متى نتكلم؟ ومتى نصمت؟ ولماذا؟
لقد دفعنا (ثمناً باهظاً) للكلمات التي قيلت بلا وعي، وللصمت الذي جاء في غير موضعه. كم من نارٍ اشتعلت بسبب شائعة؟ وكم من (فتنةٍ كبرت) لأن العاقلين آثروا السكوت؟ في المقابل، كم من فرصةٍ ضاعت لأن الضجيج غطّى على صوت الحكمة؟
الصمت ليس ضعفاً كما يظن البعض، وليس دائماً فضيلة. هو موقف. أحياناً يكون الصمت شجاعة حين نرفض الانجرار إلى خطاب الكراهية، وأحياناً يكون خيانة حين نسكت عن الظلم. الفرق بين الاثنين هو الوعي.
السودان ما بعد الحرب يحتاج إلى ثقافة جديدة:
ثقافة تُحسن استخدام الكلمة، وتُجيد احترام الصمت.
لا نريد شعباً صامتاً… بل شعباً يعرف أن الكلمة قد تبني وطناً أو تهدمه.
في زمن إعادة البناء، هناك ثلاث قواعد لا بد منها:
أولاً: لا تتكلم فيما لا تعلم
فقد تحولت (المجالس) وو(سائل التواصل) إلى ساحات لإطلاق الأحكام بلا معرفة. الكلمة غير المسؤولة قد تهدم ثقة، أو تشعل خلافاً، أو تضلل أمة.
ثانياً: لا تسكت عندما يجب أن تتكلم
الصمت عن الفساد، عن الفوضى، عن الظلم… هو مشاركة غير مباشرة فيه. الوطن لا يُبنى بالصامتين عن الحق.
ثالثاً: اختر وقتك
ليست كل حقيقة تُقال في كل وقت. هناك كلمات، إن قيلت في غير أوانها، أفسدت أكثر مما أصلحت.
إن أكبر معركة في سودان ما بعد الحرب ليست فقط في إعادة الإعمار، بل في (إعادة تشكيل الوعي). فالكلمة مسؤولة، (والصمت موقف)، وبينهما يُكتب مستقبل الوطن.
فلنتعلم أن (نصمت لنفهم)… وأن (نتكلم لنبني).
فالوطن الذي (أرهقته الأصوات) العالية، يحتاج اليوم إلى (عقول هادئة)، وقلوب( واعية)، وكلمات تُقال بميزان الحكمة.
ليس المطلوب أن( نصمت أكثر)… بل أن( نصمت بوعي)، و(نتكلم بضمير). فبين( الكلمة والصمت)، يولد السودان الذي نحلم به. وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى