رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : منظمة سقيا السودان.. إنسانية مستدامة في وجه الأزمات

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :

منظمة سقيا السودان.. إنسانية مستدامة في وجه الأزمات

 

 

على الرغم من أن الجغرافيا السودانية تحتضن شبكة نهرية تتدفق بالماء الزلال في مقدمتها منظومة مجاري النيل وروافده، وتمتد عبر أراضيه أنهار موسمية دائمة ومؤقتة، فضلًا عن أن أجزاءً واسعة من البلاد تحظى بمناخ ممطر ومنسوب أمطار يُعدّ من الأعلى في الإقليم، إلا أن معاناة الإنسان في الحصول علي المياه في السودان يظل من أكثر المفارقات إيلامًا: شحٌ مزمن في مياه الشرب النظيفة، وغياب مقلق للبنية التحتية المائية في أغلب المناطق الريفية.

 

هذا التناقض الصارخ بين وفرة الموارد المياه من جهة، وصعوبة الوصول اليها من جهة أخرى، يعكس خللًا هيكليًا في التخطيط التنموي، ويزيد من هشاشة العديد من أقاليم السودان أمام الأزمات البيئية والإنسانية المتلاحقة. فالملايين من السودانيين، خصوصًا في ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق، يضطرون إلى قطع مسافات طويلة يوميًا بحثًا عن مصادر مياه صالحة للشرب، بل إن كثيرين يعتمدون على برك مائية آسنة تختلط فيها مياه الأمطار بمخلفات الحيوانات، ما يشكل بيئة ملوثة خصبة للأوبئة والأمراض.

 

ومن خلال هذا الواقع القاسي، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخلات مدروسة ومبادرات مجتمعية فاعلة تسعى إلى سد فجوة العطش، وتوفير الماء كحق إنساني أساسي لا ينبغي التفريط فيه، مهما كانت التحديات.

 

وفي ظل هذه الأزمات الإنسانية المتصاعدة التي تعصف بالسودان نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، تبرز بعض المبادرات الخيرية كبارقة أمل حقيقي للملايين ممن تقطعت بهم السبل في الداخل والخارج. ومن بين هذه المبادرات، يشرفني ان اقدم لحضراتكم واحدة من المنظمات التي يقف خلفها ثلاثة من الشباب السودانيين الذين وقفوا انفسهم لنفع الناس وهم يعملون طواعية في الخفاء تفصلهم عن ارض الحبايب الاف الكيلومترات وعشرات الساعات. تلكم هي منظمة سقيا السودان، التي اعتبرها نموذجًا فاعلًا للعمل الإنساني التطوعي الذي يجمع بين الاستجابة الطارئة والتنمية المستدامة.

 

ومن هذا المنطلق تأسست منظمة سقيا السودان كهيئة خيرية غير ربحية، تهدف إلى تحسين حياة السودانيين من خلال توفير مياه الشرب النظيفة، وتعزيز الخدمات الصحية، وتقديم الدعم الإغاثي للمجتمعات المتضررة.

 

ومن عجب، فان مبتدر هذه المنظمة وقائدها طبيب أسنان وفد إلى امريكا من السعودية ليعين اهله ويزيد رصيده المصرفي فاذا هو يسعى الي زيادة ميزان حسناته ، فهجر المهنة التي تدرب عليها وجربها وغاص في هموم العطشى صحاري السودان. لكنه لم يعدم النفير. فسرعان ما التف حوله المئات من الشباب: اطباء ومهندسين ومحاسبين وعمال وتجار، من لندن ونيويورك وشندي ودبلن والرياض ونيالا وواشنطن ومن حيث لا عنوان ولا مطار. فسرعان ما اكتمل العقد وتكاثر الاعضاء المتطوعون واستوت الشبكة وانفجرت آبار المياه في العديد من القري والبوادي وارتاحت الصبايا اللائي كن يردن الماء علي رؤسهن.

 

وتتميز المنظمة بتركيزها على الحلول طويلة المدى، وحرصها على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفًا، مثل النازحين وسكان المناطق الريفية النائية واللاجئين في دول الجوار.

 

سياق الأزمة: عطش وجوع ومرض

 

بحسب تقرير الأمم المتحدة الصادر في مارس 2024، فإن أكثر من 24.8 مليون شخص في السودان باتوا بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، بينهم حوالي 14 مليون طفل. ويُعدّ نقص المياه الصالحة للشرب أحد أبرز مسببات الأوبئة وسوء التغذية، في بلد تعاني فيه البنية التحتية من الانهيار التام بفعل النزاع.

 

و تمثل مبادرة “سقيا” دورًا محوريًا في تنمية المجتمعات الريفية من خلال توفير المياه النظيفة، وهو أمر يتجاوز كونه خدمة أساسية إلى كونه عاملًا رئيسيًا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتحسين حياة الناس في المناطق التي تعاني من شح المياه.

 

في كثير من القرى، كانت مهمة جلب الماء تقع على عاتق النساء والأطفال، حيث يقضون ساعات طويلة يوميًا في قطع المسافات لجلب كميات قليلة من الماء. هذا العبء اليومي حال دون حصول الأطفال على التعليم، إذ اضطر الكثير منهم إلى ترك المدارس لمساعدة أسرهم في هذه المهمة الشاقة. غير أن “سقيا” ساهمت، من خلال مشاريعها المختلفة، في تغيير هذا الواقع. فمع توفير مصادر مياه قريبة وآمنة، أصبح بإمكان الأطفال العودة إلى مدارسهم، وقد أعيد فتح العديد من المدارس بعد توفر المياه، مما أعاد الأمل في التعليم والتنمية للمجتمعات المحلية.

 

كما أن شح المياه كان من أهم أسباب الهجرة من القرى إلى المدن أو إلى مناطق أخرى، مما أدى إلى تفكك الأسر وازدياد الضغط على المراكز الحضرية. لكن مع تدخل “سقيا” وتوفير المياه في القرى المتأثرة، توقفت موجات الهجرة، وشهدت تلك القرى نوعًا من الاستقرار، خاصة في مناطق مثل “قرى السلام” في منطقة باو بولاية النيل الأزرق والتي تحوّلت إلى نماذج ناجحة في الاستقرار الريفي بعد وصول المياه.

 

ولم يقتصر أثر “سقيا” على التعليم والاستقرار فقط، بل تعدّاه إلى المجال الصحي، حيث ساهم توفير المياه النظيفة في تقليل الأمراض الناتجة عن التلوث وسوء الصرف الصحي، مما حسّن من صحة السكان ورفع من جودة حياتهم.

 

بهذه الجهود، تؤكد “سقيا” أن التنمية الريفية تبدأ من قطرة ماء، وأن توفير المياه هو الخطوة الأولى نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة وإنسانية.

 

وفي هذا السياق، تسعى منظمة سقيا السودان إلى سد فجوات الحرمان المائي والصحي عبر تدخلات مباشرة ومنظمة، تستهدف القرى المحرومة ومخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

 

أهداف استراتيجية وتنفيذ عملي

 

أولًا: توفير مياه شرب آمنة

 

تعمل المنظمة على حفر الآبار الارتوازية والسطحية في المناطق المتأثرة بالجفاف، وتركيب المضخات اليدوية والميكانيكية، وإنشاء محطات تنقية وشبكات توزيع مياه. وقد استطاعت المنظمة بدعم الخيرين من كافة ارجاء العالم من امتلاك الآت حديثة لحفر الابار تنتشر في كافة مواقع عملها في السودان. وقد نفذت المنظمة خلال العام 2023 وحده أكثر من 70 مشروع مياه في ولايات كردفان ودارفور والجزيرة، ويمكن للقاري الكريم ان يقف علي كل هذه الانجازات والعديد من تقارير الاداء عبر موقع المنظمة علي الانترنت.

 

ثانيًا: تعزيز الخدمات الصحية

 

في بلد يعاني فيه ثلث السكان من صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، تعمل سقيا السودان على توفير المعدات الطبية للمراكز الريفية حيث قامت بتأثيث عدد من مراكز غسيل الكلي ودعم العيادات المتنقلة، وتنفيذ حملات توعية وتطعيم في المناطق الموبوءة. كما تركز على قضايا صحية نوعية مثل الصحة الإنجابية للفتيات وتوفير الفوط الصحية لمنع تسربهن من التعليم.

 

ثالثًا: الإغاثة العاجلة وقت الأزمات

 

في ظل تفاقم النزوح الداخلي الذي تجاوز 8 ملايين نازح وفقًا لمفوضية اللاجئين، تعمل المنظمة على تقديم مساعدات عاجلة من غذاء وماء ومأوى وملابس. وتغطي برامجها حالات الطوارئ الموسمية مثل الفيضانات والجفاف وملابس الشتاء، وتعمل على تأمين خيام وملاجئ مؤقتة، وسلال غذائية تكفي الأسرة لأسابيع، علاوة علي الدعم الأسري المباشر للأسر المتعففة من صندوق “جبر الخواطر”.

 

رابعًا: تمكين المجتمعات وبناء القدرات

 

لا تكتفي سقيا السودان بالإغاثة، بل تسعى إلى تمكين المجتمعات من خلال دعم الزراعة المنزلية، وتمويل المشاريع الصغيرة، وتدريب الشباب على المهارات التقنية والمهنية، إلى جانب برامج تعليمية تستهدف الأطفال النازحين، ومنح دراسية للأسر الفقيرة. وقد شرعت المنظمة في انشاء مصنع للمياه الصحية في مدينة ود مدني لتوفير المياه الصحية بأسعار زهيدة والاستفاده من ريع المشروع في حفر آبار في المناطق التي تعاني من العطش إلا ان المشروع قد توقف بسبب الحرب ولكن يتم استئناف العمل في الأسابيع القادمة باذن الله.

 

شراكات قوية وتمويل مجتمعي

 

تعتمد المنظمة في تمويلها على تبرعات الأفراد من داخل السودان وخارجه، إلى جانب دعم منظمات إنسانية إقليمية ودولية. وتؤمن سقيا السودان بأن قوة المبادرة الشعبية تكمن في انخراط المجتمع نفسه في العمل الإنساني، وهو ما تعكسه مشاركة متطوعين سودانيين في جميع مراحل المشروع، من التوثيق حتى التوزيع.

 

كيف يمكن دعم المنظمة؟

 

تتيح المنظمة عدة مسارات للراغبين في المساهمة:

• التبرع المباشر عبر موقعها الرسمي www.sogya.org أو عبر الحسابات البنكية.

• التطوع في مشاريع الحفر، التوزيع، أو التوعية الميدانية.

• نشر الوعي عبر مشاركة أخبار وأنشطة المنظمة على وسائل التواصل.

• الشراكة المؤسسية من خلال تمويل مشاريع أو التبرع بالمعدات والخدمات.

 

دعوة للاستمرارية والتوسّع

 

في ظل هذا الواقع الإنساني القاسي، تقدم منظمة سقيا السودان مثالًا حيًا على أن العمل الأهلي المنظّم يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس، إذا ما توفرت له الإرادة والدعم والاستراتيجية. ومن المهم أن تجد هذه الجهود صدى واسعًا في الداخل والخارج، عبر وسائل الإعلام، والمبادرات المجتمعية، والشراكات العابرة للحدود.

 

فالدعم لا يتوقف عند حدود المال، بل يشمل الوقت، والفكرة، والخبرة، والصوت الذي يصل إلى الآخرين ويجعلهم جزءًا من رسالة الحياة والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى