بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : نحو شراكة ديموغرافية استراتيجية بين السودان ومصر: التحديات والفرص

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : نحو شراكة ديموغرافية استراتيجية بين السودان ومصر: التحديات والفرص
ظلت الهجرة منذ الأزل ظاهرة إنسانية ملازمة لنمو المجتمعات وتطورها. فمنذ أقدم العصور، ارتبط العمران البشري بحركة السكان بحثًا عن الماء والكلأ، ثم العمل والاستقرار والأمن. ومع تعقّد البنية الاقتصادية للدول، وسهولة المواصلات، والتباين في توزع الموارد والسكان، باتت الهجرة المدروسة أداة من أدوات السياسات العامة، وجسرًا للتكامل الاقتصادي الإقليمي، إذا ما أُحسن التخطيط لها وحسن إدارتها.
وفي هذا السياق، تكتسب العلاقة الديموغرافية بين السودان ومصر أهمية استراتيجية واقتصادية متصاعدة، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها الضغوط السكانية في مصر، والفراغ السكاني والموارد غير المستغلة في السودان، فضلًا عن ما يحيط بالبلدين من تحولات إقليمية وتنافس جيوسياسي متزايد.
ويظل السودان في قلب العالم مساحة شاسعة تتمدد تحت الشمس هكذا بكثافة سكانية منخفضة وموارد طبيعية هائلة غير مستثمرة. اذ تبلغ مساحة بلادنا اكثر من 1.8 مليون كيلومتر مربع، وهو من أوسع الدول الإفريقية والعربية مساحة. لكنه، في المقابل، لا يتجاوز عدد سكانه 48 مليوناً من الأنفس (بحسب تقديرات 2023)، ما يعني أن الكثافة السكانية في السودان هي من بين الأدنى إقليميًا.
ورغم تعدد موارده الزراعية والمعدنية والمائية، لا يزال السودان يعاني من غياب التخطيط الديمغرافي، وهشاشة البنى التحتية، والتوزيع غير المتوازن للسكان، حيث تتركز الأغلبية في مناطق محدودة حول النيل والخرطوم وبعض الحواضر الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، يعيش السودان حالة من الانكفاء الاقتصادي نتيجة النزاعات السياسية والحروب، مما يُضعف قدرته على توظيف موارده في استيعاب النمو الداخلي أو احتضان الهجرة الخارجية بشكل مدروس.
وعلى النقيض من السودان، فإن مصر تواجه تحديًا ديمغرافيًا ضاغطًا. فقد تجاوز عدد سكانها 110 ملايين نسمة، مع نمو سنوي يقارب 2 مليون نسمة، في حين تبقى الأرض الزراعية محدودة، وتكاد الحياة تتركز على شريط ضيق من الأرض المحاذية للنيل، لا يتجاوز 5% من المساحة الكلية للبلاد.
ورغم جهود الدولة المصرية في تعمير الصحراء وتوسيع الرقعة السكانية (مشاريع مثل “الدلتا الجديدة” و“توشكى” وغيرها)، فإن الضغط الديموغرافي لا يزال يمثل خطرًا استراتيجيًا على الأمن الغذائي، والمياه، وسوق العمل. وهنا يبرز السودان كـامتداد طبيعي وحيوي للفضاء المصري، من حيث الجغرافيا، والمصالح، والموارد، والعمق الاستراتيجي.
وإذا تأملنا السياق الإقليمي، يتّضح أن السودان يحتل موقعًا محوريًا في المعادلة الديموغرافية للمنطقة بأجمعها . فهو لا يحد مصر من الجنوب فقط، بل يربطها بإثيوبيا ذات النمو السكاني الكبير، وبالقرن الإفريقي المتحول، وبغرب إفريقي المتوتر أمنيًا.
اما من الجنوب، فتُعد إثيوبيا من أكبر دول إفريقيا سكانًا (120 مليونًا تقريبًا)، وتشهد توسعًا ديمغرافيًا سريعًا، مع ما يكتنفها من صراعات إثنية مسلحة وتناقص في الأراضي الصالحة للزراعة.
ومن الغرب، هناك مجموعات سكانية من دول مثل تشاد، إفريقيا الوسطى، وهي دول والنيجر، تعاني من الهشاشة السياسية و الاقتصادية والانفجار السكاني، وتجد في السودان بوابة عبور نحو الاستقرار أو الهجرة نحو الشمال.
وهكذا يتضح جليا إن الفراغ الديموغرافي في السودان بات مغريًا لكل دول الجوار. وإن لم تبادر الدولة السودانية بوضع استراتيجية واضحة لتنظيم الحركة السكانية نحو الداخل، فإنها ستُفاجأ بتدفقات بشرية عشوائية لا قبل لها بها ولا يمكن ضبطها لاحقًا. وهذه التدفقات المحتملة ربما تاتي بدوافع اقتصادية او نتيجة لهجرات استيطانية قسرية بسبب الصراعات المسلحة المتزايدة في بعض دول الجوار. ماذا يفعل السودان، علي سبيل المثال إذا اجتاحت حدوده الشرقية بضعة ملايين من المهاجرين من الاثنيات المتصارعة في اثيوبيا واريتريا بين عشية وضحاها؟ وهل يستبعد ان تسعي اثيوبيا عمدت لتفريغ رعاياها المتشاكسين مع الحكومة المركزية في داخل العمق السوداني؟
وفي هذا السياق، تبرز مصر باعتبارها الدولة الأقرب إلى السودان من بين جميع دول الجوار، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل لما يجمع البلدين من انسجام اجتماعي وثقافي وسياسي عميق. فالعلاقات بينهما تستند إلى وحدة نهر، وتاريخ متداخل، وتراث شعبي مشترك، وروابط قرابة، إلى جانب تداخل اقتصادي وأمني آخذ في التوسع. وهذا ما يجعل من مصر منعطفًا طبيعيًا ومحوريًا في التفكير في مسارات الهجرة الذكية بين البلدين.
إن التفكير في شراكة ديموغرافية مع مصر لا يعني التنازل عن الأرض أو فتح الحدود بلا ضوابط، بل على العكس، يعني:
• تحويل الضغط السكاني المصري إلى مورد تنموي للسودان.
• ضخ طاقات بشرية مؤهلة في مشاريع زراعية وصناعية تحتاج إلى أيدٍ عاملة.
• خلق حزام عمراني واقتصادي في مناطق الفراغ، يعزز الاستقرار والتكامل الإقليمي.
• الحد من الهجرة غير النظامية والتهريب.
وهنا يصبح فتح أبواب الهجرة القانونية المنظمة للمصريين إلى السودان، وفق اتفاقيات شراكة استراتيجية، خيارًا عقلانيًا يتفادى الصدام المحتمل مستقبلًا.
لكن ما الخيارات المتاحة أمام المصريين، وأين يمكن أن يتجهوا إذا لم يُفتح لهم الطريق نحو الجنوب؟ فمن السذاجة أن نقول إن هذا ليس شأننا، أو أن مصيرهم لا يعنينا. فالتاريخ والجغرافيا معًا يفرضان علينا أن نهتم، لأن ما يحدث في مصر ستكون له، حتمًا، انعكاسات في السودان. وإذا استمرت مصر في النمو السكاني بهذا النسق، دون توسعة سريعة للرقعة الصالحة للعيش، فإن البدائل أمامها محدودة وهي:
• الاستمرار في الضغط على البيئة الداخلية، مما يخلق اختناقات اقتصادية واجتماعية.
• الهجرة عبر البحر إلى أوروبا، وهي مكلفة وخطرة ومحدودة الاستيعاب.
• التوسع جنوبًا، عبر شراكة استراتيجية ذكية أو عبر ضغط غير مباشر، وقد لا يكون هذا الخيار دائمًا سلميًا.
إن لم تُفتح أبواب السودان أمام المصريين ضمن إطار قانوني ومنظم، فإنها قد تُفتح في يوم ما بطريقة عشوائية أو تحت ضغط الواقع، تمامًا كما تخبرنا تجارب التاريخ. وهذه ليست نبوءة تهديد، بل دعوة للتفكير المسؤول.
تأملوا هذا المثال: ماذا لو بقي كل الهنود داخل شبه القارة الهندية دون أن ينتشروا عبر العالم؟ هل كانت أرضهم قادرة على استيعابهم؟
والسؤال نفسه يُطرح على الحالة المصرية: هل يمكن لأرض مصر، بعد مائة عام من النمو السكاني المتسارع، أن تحتمل هذا العبء وحدها؟ فالهجرة ، أعزائي القراء، ليست ترفًا، بل هي ضرورة وجودية واجتماعية وتاريخية، وعلينا أن نستبقها بالتخطيط بدلاً من أن تفاجئنا بالفوضى.
وخلاصة قولي، إن التحولات الديموغرافية التي تشهدها المنطقة لا تنتظر قرارات السياسيين. وحين تفشل الدول في قراءة الأرقام ورسم السياسات، فإن الطبيعة تفعل ذلك عنها، لكن بثمن فادح. وأعتقد إننا الان أمام مفترق طرق تاريخي في العلاقة بين السودان ومصر، ويجب علينا كصناع رأي وقرار أن نطرح السؤال بجدية: هل نختار الشراكة، أم ننتظر الصدام؟ والبديل المنطقي، في رايي، هو التفكير في هجرة ذكية، قانونية، منظمة، عادلة، تحفظ للسودان سيادته، وتوفّر لمصر متنفسًا سكانيًا، وللإقليم نموذجًا في إدارة العلاقات بحكمة وواقعية.
علي ان هناك وجهة نظر مغايرة تضيف بعدا آخر حوّل تعقيدات هذه الشراكة الديموغرافية يطرحها خبير علم السكان الدكتور حسن موسى. فهو يري ان فكرة التعاون الديموغرافي بين مصر والسودان، رغم جاذبيتها من حيث المنطق الظاهري لتكامل “الفراغ والكثافة” وعلى الرغم من جدواها الاقتصادية، إلا أنها تنطوي على قدر كبير من التعقيد والمخاطر المحتملة. و يشير الدكتور حسن إلى أن “ما طُرح يعكس نية طيبة ورؤية استراتيجية ناضجة، لكنه من الناحية الواقعية، قد يمثل أخطر ملفات العلاقة بين البلدين.” ويدعم الدكتور حسن موقفه بعدد من الملاحظات التحليلية هي:
أولاً، رغم أن السودان يُوصَف بأنه بلد منخفض الكثافة السكانية، إلا أن البيانات السكانية المستقبلية تشير إلى تضاعف عدد سكانه خلال العقود المقبلة، ليتجاوز 100 مليون نسمة بحلول عام 2063، بمعدل نمو يفوق ما هو متوقع في كل من مصر وإثيوبيا. وهذا النمو السريع سيفرض أولويات داخلية ضاغطة تحول دون القدرة على استيعاب هجرات خارجية غير منضبطة.
ثانيًا، يذكّر الدكتور حسن بأن اتجاه الهجرة بين البلدين كان ولا يزال يسير من السودان إلى مصر، مدفوعًا بعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية متجذرة. وحتى في الفترات التي فُتحت فيها أبواب التعاون الاقتصادي – كمرحلة نميري – لم يكن ذلك كافيًا لعكس هذا الاتجاه. مما يدل على أن معالجة معضلة الهجرة لا تتم فقط بفتح الحدود بل بإحداث تحول هيكلي في الجاذبية الاقتصادية والاجتماعية داخل السودان.
ثالثًا، من زاوية التاريخ السياسي، يرى الدكتور حسن أن الذاكرة الجمعية السودانية لا تزال متأثرة بمرحلة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، وما خلّفته من حساسية في العلاقة مع مصر، وهي حساسية تفاقمت مؤخرًا في ظل الحرب الدائرة، حيث لجأ كثير من السودانيين إلى مصر، بينما ازداد التوجس الشعبي من الدور المصري، خصوصًا لدى الحركات المتمردة. هذا الواقع يجعل من أي تقارب استراتيجي في المجال السكاني موضوعًا شديد الحساسية، يحتاج إلى تمهيد سياسي وشعبي طويل الأمد.
رابعًا، يشير الدكتور حسن إلى ما يعتبره موقفًا استراتيجيًا ثابتًا لدى مصر، ينظر إلى السودان كعمق جغرافي لا بد أن يبقى خاضعًا لمنطق التبعية والتأمين. وتأسيسًا على ذلك، تُبدي مصر تحفظًا غير معلن تجاه مشاريع التنمية السودانية الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بالزراعة المروية، نظرًا لتأثيرها المحتمل على حصتها من مياه النيل. وبالتالي، قد يُنظر إلى التعاون الديموغرافي المشترك بوصفه تهديدًا لمصالحها الحيوية، لا فرصة للتكامل.
وفي ختام مداخلته، يرى الدكتور حسن أن المدخل الواقعي للتعاطي مع الملف الديموغرافي يجب أن يبدأ من بناء سياسة سكانية وطنية فعّالة داخل السودان، تعالج التحديات التنموية والتوزيع السكاني غير المتوازن، وتعيد الاعتبار لهذا القطاع الذي عانى من الإهمال المزمن منذ الاستقلال.
ويضيف: “لقد آن الأوان لأن يكون إعمار السودان إعمارًا للسكان والسياسات، لا للمباني فقط. وهذه مهمة تاريخية يجب أن تُحتل موقع الصدارة في الأجندة الوطنية، قبل أي تفكير في شراكات إقليمية معقدة”.
تحضرني في ختام هذا المقال طرفة متداولة ترويها أجيال من السودانيين والمصريين، تعود إلى أيام ما قبل إعلان استقلال السودان عام 1956، حين خرجت مظاهرة حاشدة في القاهرة تنادي بوحدة وادي النيل. وكان من بين المتظاهرين سوداني يهتف بحماس من فوق أعناق زملائه: “مصر والسودان حتة واحدة!” غير أن حماسه لم يدم طويلاً، إذ اكتشف فجأة أن محفظة نقوده قد سُرقت، فتحول هتافه الغاضب على الفور إلى: “مصر والسودان ستين ألف حتة!”، وهو ينزل ساخطًا يسب ويلعن، بعد أن اختلطت لديه مثالية الوحدة بواقعية الجيب الفارغ!
فما رأيكم أنتم، أعزائي القرّاء؟
هل ندفن رؤسنا في الرمال وننتظر الطوفان السكاني الاستيطاني القادم من بين أيدينا او من خلفنا ام نفكر في وضع الخطط والتدابير الكفيلة بمواجهة الكارثة؟
هل نمضي نحو شراكة تجعل من السودان ومصر “حتة واحدة” بحق، أم نترك الرياح تعصف بنا حتى نصير “ستين ألف حتة”؟








