رأي

د. محمد تبيدي يكتب…مسارب الضي… حمائم تتحدث بلسان الصقور

د. محمد تبيدي يكتب…مسارب الضي… حمائم تتحدث بلسان الصقور

 

حين يغنّى مستشار تمبور الإعلامي على نايٍ مثقوب تتوه الحقيقة في ضجيج السراب

يطلّ علينا بيان المستشار الإعلامي لحركة تحرير السودان – قيادة تَمبور، متوشحاً برداء الواعظين ويحتفي بألوان السلطة، كطائر جارح يتخفّى بريش حمامة. يقول المتحدث الرسمي: «سنطرح رؤية لتوحيد الخطاب الإعلامي ونبذ خطاب الكراهية وتعضيد التمازج الثقافي والسلام المجتمعي لتهيئة الحوار السوداني». طالعتُ هذا البيان على منصة “الرائد” الإعلامية، تلك المنصة التي وإن اختلفنا أو اتفقنا، فإنها تظل بين المنصات ذات المكانة في الفضاء الإعلامي السوداني.

 

غير أن بين السطور، ما يشبه الندى على شفرة سكين باردٌ في مظهره، لكنه يحمل نية القطع. فحديث المستشار الإعلامي يبدو كمطرٍ في موسم الخريف، كثير الرنين قليل السقيا. والخطاب إذ يُطرَح بهذه الصيغة البراقة، لا يكاد يُقنع من جرّب العطش، ولا يطفئ نار من ذاق الرماد.

 

وإني لأجدني أمام اسم تمبور، فأتساءل

هل استشار المستشار من يُفترض أنه يُستشار؟

ذاك الرجل تمبور الذي نعرفه منذ أن دقّت طبول الكرامة، لا يشبه صدى هذا البيان الموارب. تمبور، الذي خرج من رحم التراب السوداني لا من جيوب الأجندات، عُرف بالسماحة والوفاء، همه الوطن لا المنابر، واللحمة لا الشعارات.

 

لكنّ كيف يُترجم ذلك النقاء إلى بيانٍ تفيض مفرداته بالمجاز، وتُخفي خلف الأقنعة نية لا تشبه العيون

هل يعقل أن يهب فاقد الدفء ناراً؟

هل يُشعل العتمةَ من أطفأ فتيل اليقين؟

 

في حديث المستشار تشبه جبلاً من الدخان يبدو شامخاً من بعيد، لكنه يتلاشى لدى الاقتراب. وكأنه يعدّنا بمطبخٍ عامرٍ بالخبز لكل الجياع، بينما يوزّع وجباتٍ من الصمّ والفرقة خلف الأبواب الموصدة.

فكيف لإناءٍ يفيضُ بالماء وهو مسرَّب من القعر أن يُروِ عطشَ السلام؟

 

ولئن همسَ البيانُ بكلماتٍ رقيقةٍ عن نبذ الكراهية، فإن مردوده على الأرض يشهد بخلاف ذلك. فالتمازج الثقافي لا يُخلق في قوالبٍ صمّاءٍ تُلصق على الجدران، بل ينبع من تلاقي أفئدةٍ مستعدة للكفِّ عن زمن الشحناء. وإذا كان التهيؤ للحوار يعني قراءة الواقع بلا أقنعة، فإن البيان ما زالت تغازله ظلال الصراع بشهوةِ من لا يملك الأرض.

 

إنَّ الرغبةَ في السلم لا تُزهرُ بزخارف الشعارات وحدها، بل تُروى بمدادِ الأفعال وإرثِ النوايا الصادقة. فبيانُ مستشار تمبور الإعلامي رغم جمال ألفاظه الفاتنة، يبقى قصيدةً بلا موسيقى، عُزفت على أقفال الأبواب. والناس اليوم لا يطمئنّون إلا حين يرون خطواتٍ نحو الصدق والشفافية؛ خطواتٌ لا تُخفي وجهها خلف بستائر المجاملة.

 

إن البيان وإن نطق بلغة البلاغة، فقد خانته النبرة. وإن كانت الكلمات تضيء، فلا جدوى من مصباح بلا كهرباء. فإما أن يُقال الحق جهراً على لسان من يُشبه تمبور، أو فلتصمت البروج العالية عن الغناء، حتى لا تتوه الحقيقة في ضجيج السراب.

 

وانا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى