ياسر عمر هارون.. يكتب : المعلمون هم أساس النهضة.. وصناع كل المستقبل

ياسر عمر هارون.. يكتب : المعلمون هم أساس النهضة.. وصناع كل المستقبل
تكريم رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، الفريق أول ركن/ عبد الفتاح البرهان للنابغة والطالبة تقوى النور بوسام التفوق من الدرجة الأولى بعد تفوقها وإحرازها المرتبة الأولى في نتائج امتحانات الشهادة السودانية بنسبة مشرفة بلغت 97.7%، يؤكد اهتمام الدولة بالموهوبين والمتفوقين رغم انشغالها الآن بحرب الكرامة وتحديات الأوضاع الاقتصادية.
فمثل هذا التكريم من رأس الدولة يبعث روح الأمل، ويحفز الطلاب لمزيد من الاجتهاد، والمواهب لمزيد من التفوق.
لا أريد هنا الخوض في غمار ما أثير ويثار الآن عبر الوسائط ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة والنشر الواسع لعديد الآراء المنتقدة للتكريم، الذي اعتبره البعض إجحافاً في حق بقية الطلاب وخاصة أولئك الذين امتحنوا في ظروف أمنية وإنسانية صعبة، فهم لا شك يستحقون الثناء والتكريم والإشادة والتشجيع.
هنا وللحقيقة لا بد أن نذكر بأن ما فعلته الدولة اليوم ليس منحة أو بدعة، فتكريم المتفوقين فيشتى المجالات هو ديدن كل الأنظمة والحكومات المتعاقبة على مر التاريخ السوداني رغم تباينها وتقلبات الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو حق أصيل كفله لهم اجتهادهم وتفوقهم ودورهم الكبير وإسهاماتهم الثرة في نهوض البلد وتشريفها.
لكن كل ذلك لا يمنعنا البتة وفي خضم هذا التكريم أن نفتح باباً مهماً نرسل عبره رسائل مهمة في بريد الحكومة بضرورة الالتفات لقضايا المعلم، ذلك الجندي المجهول الذي لولا ثمرة نجاحه التي تجلت لما تفجرت الأفراح والأهازيج وملأت أركان البيوت وغمرت السعادة أروقة الأسر والمجتمعات السودانية.
كيف لا والشهادة السودانية مرتبطة منذ القدم بوجدان الشعب السوداني، بل هي في منظور الدولة وعرف المجتمع السوداني بمثابة (الأمن القومي) لارتباطها الوثيق بمستقبل الأجيال، وأي مساس بها يعتبر من المهددات وهزيمة معنوية ومؤسسية تؤثر بشكل مباشر على أمن واستقرار المجتمع ومستقبل الدولة. وبالتالي، وتماشياً مع ما ذكرناه، فإن تأهيل وتحسين بيئة المعلم المعيشية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، فبه تبنى الأمم وتشيّد الحضارات وتصنع الأجيال وترتقي الدول وتستشرف آفاق المستقبل، إذ إن أي تقصير في حقه أو تهميش لدوره يعد حرباً على الدولة وتدميراً ممنهجاً لمقدرات الأمة؛ لأن من أهم مقومات الدول القوية والمؤثرة وجود المقومات البشرية التي يندرج تحتها مسمى ارتفاع مستويات التعليم والمهارات البشرية.
فلكم أن تنظروا للدول من حولنا كيف تطورت وبدأت تنافس الدول الكبرى بفضل الاهتمام بالتعليم والمعلم، وتنفق على غرار ذلك مليارات الدولارات كميزانيات مخصصة للتعليم والبحث العلمي بعد الأمن والدفاع والصحة، وتضع المعلم في خانة خاصة وأولوية قصوى ينال من خلالها شرف تبوء أعلى المراتب وأرفع الدرجات، إيماناً بدوره الرسالي المتعاظم في تربية النشء وغرس القيم وبناء الأجيال والمجتمعات. ولقد حزنت جداً وأصابني الإحباط لغياب اسم السودان وأنا أطلع على قوائم الدول الأكثر جودة وتطوراً في مجال التعليم التي صدرت عن مؤشر جودة التعليم العالمي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
لا شك أن هذا يمثل نكسة ويدق في الوقت ذاته ناقوس الخطر بأن تتنبه الدولة وتسعى إلى وضع الخطط والبرامج العاجلة الكفيلة بإعادة قيمة التعليم ومكانته الرائدة ومواكبة التطور التقني الهائل والمتسارع في هذا المجال.
الحكومة ممثلة في مجلس الوزراء حاولت اتخاذ خطوة من شأنها تخفيف الوطأة ورفع المعاناة عن كاهل المعلم بجملة من القرارات صدرت عن اجتماع المجلس مؤخراً، منها رفع متوسط راتبه إلى نحو 395 ألف جنيه، أي ما يعادل نحو 60.45 دولاراً باختلاف سعر الصرف، بعد أن كان 128.125 جنيهاً، أي ما يعادل حينها نحو 19.7 دولاراً، وذلك وفق دراسة أُجريت هذا الشهر. إلا أن ذلك لا يغطي -حسب الخبراء- سوى 3% فقط من تكلفة المعيشة، الأمر الذي يضع أمام الحكومة جملة من التحديات بضرورة القيام بإجراءات ملموسة تضع حداً للتردي المعيشي للمعلمين الذين لم يتوانوا قط، رغم نكد العيش وضيق الحال، عن أداء رسالتهم التعليمية والإنسانية والأخلاقية والوطنية طوال الحرب. ولم تتوقف عجلة التعليم رغم شح الإمكانات والتدمير الممنهج الذي طال المدارس والبنية التعليمية والظرف الأمني الحرج الذي واجه الطلاب والمعلمين حتى في مناطق الشدة المتاخمة لمرمى نيران العدو، ولنا أسوة في شهداء مدارس مدينة الأبيّض وولاية النيل الأبيض وغيرها، والطلاب والأساتذة الذين قضوا وهم يرسلون رسائل مفادها أن التعليم حق مشروع ومسيرة ظافرة لن تنحني فيها عزيمة البقاء أو تنكسر إرادة المضي قدماً نحو الأمام.
ختاماً نقول:
إن الطباشيرة والقلم الأحمر هما سلاحان مهمان وجزءان أصيلان في حرب الكرامة، لذا لزاماً على الدولة القيام بدورها الريادي في قيادة حركة التعليم، ومخاطبة قضايا ووجدان المعلم الكادح الصابر والمثابر، الذي ضرب لنا أروع الأمثلة في التضحية.
ياسر عمر هارون








