بيان .. نقابة الصحفيين السودانيين “الإذاعة: ذاكرة وطن… وصوت سلام لا يخفت”..

بسم الله الرحمن الرحيم
نقابة الصحفيين السودانيين
“الإذاعة: ذاكرة وطن… وصوت سلام لا يخفت”..
بيان بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة
دارَ الإِذاعَةِ كَمْ نَشَرْتِ ثَقافَةً
جَلَّتْ مَآثِرُها عَنِ الإِفْصَاحِ
كمْ جازَ صَوْتُك مِنْ بِحارٍ سُجِّرَتْ
وَفَدافِدٍ شُعْثِ الْفِجاجِ فِساحِ
أَصْبَحْتِ أُسْتاذَ الشُعُوبِ وَكافَحَتْ
نَجْواكِ جَيْشَ الْجَهْلِ أَيَّ كِفاحِ
بنو وطني الأعزاء
يحلّ علينا اليوم العالمي للإذاعة هذا العام تحت شعار: “الإذاعة والذكاء الاصطناعي: الابتكار الذي يمكّن، الأخلاقيات التي تُلهم، والثقة التي تدوم”، بينما تمرّ الإذاعات السودانية بواحدةٍ من أقسى المراحل في تاريخها الممتد لأكثر من خمسةٍ وثمانين عاما، في ظل حربٍ مدمّرة كادت أن تطفئ صوت الوطن وتطمس أرشيفاً كاملاً من ذاكرته الحيّة. وبعد مضي (34) شهرا، من اندلاع الحرب، لا تزال المحطات الإذاعية، بما فيها الإذاعات الولائية وإذاعات الإف إم، تواجه تحديات وجودية، تهدد رسالتها ودورها المجتمعي.
أيها الزملاء والزميلات
لقد شكّل توقف الإذاعات الوطنية أو تراجع أدائها كارثةً موازيةً لكارثة الحرب ذاتها؛ إذ خلّف غيابها فراغاً معلوماتياً واسعاً، تسللت عبره خطابات الكراهية والأخبار المضللة بلا رادع، فتعمّق الاستقطاب وتوسّعت دوائر الانقسام الاجتماعي. كما حرم هذا الغياب ملايين النازحين والفارّين من ويلات الحرب من خدمات الطوارئ والإرشاد الضرورية، في وقتٍ انقطعت فيه الاتصالات وتعطلت شبكات الإنترنت، لتبقى الإذاعة — لو حضرت — الرفيق الأقرب والمنقذ الأول للمعلومة الموثوقة.
وفي سياق الحرب التي يشهدها السودان، تتجدد الأهمية القصوى للإذاعة كوسيلة اتصال جماهيري عابرة للحدود والانقسامات، وقادرة على الإسهام الفعّال في إعادة بناء المجتمعات التي مزقتها النزاعات.
ومن أبرز أدوارها:
– نشر ثقافة السلام عبر إفساح المجال لخطابٍ متوازن يعلي من قيمة الحوار ويعزز لغة العقل، ويمنح المنصات لأصوات الحكماء والعقلاء في كل أرجاء البلاد.
– مكافحة خطاب الكراهية والأخبار المضللة، فالإذاعة المهنية تمثل خط الدفاع الأول- مع وسائل الإعلام الأخرى – في مواجهة التزييف والتضليل.
– ترميم النسيج الاجتماعي بإعادة بناء الثقة بين المكونات المجتمعية، وإيصال أصوات الجميع دون إقصاء أو تهميش.
– تعزيز قيم التسامح والديمقراطية والتعايش السلمي، وتقديم نموذج إعلامي يحتفي بالتنوع الثقافي ويحمي وحدة الوطن.
أبناء وبنات شعبنا الباسل
وفي هذا اليوم، نقف إجلالاً وتقديراً للإذاعيين والإذاعيات السودانيين الذين يواصلون أداء رسالتهم رغم قسوة الظروف وضيق الإمكانات، حاملين ميكروفوناتهم كما يحمل الجنود راياتهم. لقد ذاقوا مرارة الفقد والنزوح مثل سائر أبناء شعبهم، وفقد بعضهم زملاء وأحبّة، ومع ذلك لم ينطفئ صوتهم ولم تنكسر إرادتهم.
كما نحيّي العاملين في الإذاعة السودانية التي عادت لتباشر البث من مبانيها الرئيسة بأم درمان، في رسالة صمودٍ تؤكد أن الموجة لا تُقهر.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نقف إجلالاً لأجيالٍ من الإذاعيين والإذاعيات السودانيين الذين كانوا أنجماً زواهر في سماء الأثير، أضاءوا دروب الوعي وآنسوا الليالي بصوتهم الحميم وكلماتهم الصادقة، ثم غيّبتهم سنوات العمر أو أقعدهم المرض عن الميكروفون، غير أن حضورهم لم يغب عن ذاكرة الوطن ولا عن وجدان مستمعيه. كما نترحم بخشوعٍ على من رحلوا وتواروا تحت الثرى، أولئك الذين تركوا بصماتهم في سجل الإذاعة السودانية حروفاً من نور لا تمحوها الأيام، وظلت أصواتهم — وإن صمتت — حيّةً في ضمير هذا الشعب، تُذكّر الأجيال بأن للإذاعة رجالاً ونساءً وهبوا أعمارهم ليبقى الوطن مُسمَعاً ومسموعاً.
وإذ تجدد نقابة الصحفيين السودانيين التزامها بالدفاع عن حرية الإعلام ودعم المؤسسات الإذاعية والعاملين فيها، فإنها تدعو كل الجهات الرسمية والمجتمعية والدولية إلى حماية البث الإذاعي وتوفير البيئة الآمنة لاستمراره، باعتباره ركيزةً أساسيةً في بناء السلام وصون وحدة السودان.
تحيةً لكل صوتٍ لم يصمت، ولكل موجةٍ لم تنقطع، رغم الحرب والدمار.
فالإذاعة ستظل ذاكرة وطن… وصوت سلامٍ لا يخفت.
نقابة الصحفيين السودانيين
13 فبراير 2026








