رأي

 محمد عبدالقيوم عبدالحليم سعيد.. يكتب : سوداني وكفي.. الذكاء الاصطناعي لص ناعم يسرق الهوية

سوداني وكفي

 

محمد عبدالقيوم عبدالحليم سعيد.. يكتب : سوداني وكفي.. الذكاء الاصطناعي لص ناعم يسرق الهوية

 

 

 

لم يعد الخوف من الذكاء الاصطناعي أنه سيحل محل الإنسان في المصنع والمكتب الخوف الحقيقي اليوم أنه سيحل محل الإنسان في نفسه نحن لا نتحدث عن روبوت يأخذ وظيفتك بل عن خوارزمية تأخذ لهجتك وذوقك ودينك وتاريخك ثم تعيد تشكيلك على صورتها وأنت تصفق لها لأنها سهلت عليك الحياة

 

هذا هو الطمس الجديد لا يأتي بدبابة بل يأتي بتطبيق مجاني

 

أولا

طمس اللغة حين نتعلم أن نتحدث مثل الآلة

 

جرب أن تتحدث مع أي مساعد ذكي بلهجتك السودانية الأصيلة (اها يا زول، كيفنك الليلة) سيرد عليك بفصحى باردة أو إنجليزية معربة./ستضطر أنت لتغيير لهجتك (مرحبا، كيف حالك اليوم) حتى يفهمك

 

هنا انقلبت الآية المفروض أن الآلة تتعلم لغتنا لكن الذي حدث هو أننا نحن من بدأنا نتعلم لغة الآلة ومع كل جملة نغيرها، نفقد جزءاً من هويتنا الشفهية

 

الخطر أكبر: 90% من البيانات التي تدربت عليها النماذج الكبرى هي بيانات بلا دين بلا أسرة ممتدة بلا قيم قرآنية فعندما تطلب منها قصة لأطفالك ستحكي عن جون الذي يربي كلباً وليس عن أحمد الذي يحفظ القرآن مع جده التكرار اليومي لهذا النموذج يجعل الطفل يرى أن الطبيعي هو الغرب وأن ثقافته هي (الغريب)

 

ثانياً

طمس الفكر

صناعة الإنسان المتوسط

 

قبل عامين كان الطالب يجلس ليالي ليكتب بحثا يخطئ يصحح يقرأ كتاباً كاملاً ليستخرج فكرة هذا العناء هو الذي كان يصنع عقله وهويته الفكرية

اليوم يكتب: اكتب لي بحثاً عن الاستعمار في 10 ثوان يخرج بحث مرتب بلا أخطاء بلا روح بلا موقف كل الطلاب يقدمون نفس البحث بنفس الأفكار المعتدلة الآمنة التي لا تغضب أحداً

 

الذكاء الاصطناعي يكره التطرف لكنه يكره أيضاً التميز هو مصمم ليعطيك الإجابة الأكثر شيوعاً واتفاقا ومع الوقت نصبح جميعاً نسخاً متوسطة نكتب بنفس الأسلوب ونفكر بنفس الطريقة ونفقد بصمتنا الشخصية هذا هو الطمس الفردي أن لا يعود لك صوت يعرفك به الناس

 

ثالثا

طمس الصورة والقيم

 

اطلب من أي مولد صور ارسم (عائلة سعيدة امرأة ناجحة رجل حكيم) النتائج ستكون صادمة عائلة بلا حجاب امرأة ناجحة بلباس غربي متحرر رجل دين بصورة نمطية سلبية

الآلة ليست محايدة من برمجها وضع فيها قيمه وحين نستخدمها بلا وعي نستورد قيمه دون أن نشعر أطفالنا الذين يلعبون بهذه التطبيقات يومياً يتشربون صورة للعالم ليست صورتنا ويعتقدون أنها الحقيقة

 

ما الحل

السيادة الرقمية

 

الحل ليس أن نكسر هواتفنا ونعود للورق فهذا انتحار حضاري الحل هو ما طرحه الرئيس بوتين في القمة الأفريقية الروسية وسماه

(السيادة التكنولوجية)

 

1. أن نغذي الآلة ببياناتنا

لا بد من مشروع عربي أفريقي لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي بتراثنا بكتبنا بشعرنا الجاهلي بتفاسيرنا بلهجاتنا إذا لم نكتب أنفسنا في ذاكرة الآلة ستمحونا الآلة من ذاكرتها

 

2. أن نعلم أبناءنا كيف يستخدمون لا كيف يعبدون الذكاء الاصطناعي أداة مثل السكين السكين تقطع الخبز وتقطع اليد يجب أن نعلم الطالب استخدمه لترتب أفكارك لا ليكتب أفكارك

 

3. أن نضع تشريعاً أخلاقياً مثلما نضع رقابة على الغذاء والدواء يجب أن نضع رقابة على الخوارزميات التي تدخل كل بيت أي نموذج لا يحترم هويتنا الدينية والثقافية يجب أن يُحجب أو يُعدل

 

خاتمة

 

الهوية لا تُسرق مرة واحدة تُسرق كل يوم بكلمة نغيرها لترضى الآلة وبصورة نقبلها رغم أنها لا تشبهنا، وبفكرة ننسخها لأنها سهلة.

 

الذكاء الاصطناعي ليس عدوا لكنه ليس صديقاً محايداً أيضا هو مرآة لمن صنعه فإن لم نصنع مرآتنا بأيدينا سنظل نرى أنفسنا مشوهين في مرآة غيرنا حتى نصدق أن التشوه هو حقيقتنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى