رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :تقنين الأراضي في أفريقيا.. تجارب ناجحة للحد من المضاربة وتعزيز الاستثمار

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :تقنين الأراضي في أفريقيا.. تجارب ناجحة للحد من المضاربة وتعزيز الاستثمار

 

 

تُعد مشكلة المضاربة على الأراضي واحتكارها من أبرز التحديات التي تواجه الدول الأفريقية في سعيها نحو تحقيق التنمية المستدامة. إذ غالبًا ما تتحول الأراضي من مورد أساسي للاستثمار والتنمية إلى أداة لتخزين الثروة، مما يؤدي إلى تعطيل مشاريع اقتصادية، وارتفاع أسعار العقارات، وزيادة التهرب الضريبي. لمواجهة هذه التحديات، تبنّت بعض الدول الأفريقية سياسات فعالة لتنظيم ملكية الأراضي، وضمان استخدامها بشكل عادل ومنتج، ومنع احتكارها. في هذا المقال، نستعرض تجارب ناجحة لدول أفريقية استطاعت تحقيق توازن بين حماية حقوق الملكية وتشجيع التنمية العادلة.

 

1. رواندا: تسجيل الأراضي لتعزيز الشفافية ومنع الاحتكار

 

تُعد رواندا نموذجًا رائدًا في تقنين الأراضي بفضل برنامجها الوطني لتسجيل الأراضي، الذي انطلق عام 2009، وأسفر عن توثيق نحو 11 مليون قطعة أرض بحلول عام 2013. وقد ساهم هذا النظام في:

• تقليل النزاعات على الملكية العقارية.

• تسهيل الحصول على القروض بضمان الأرض.

• فرض ضرائب عادلة على الأراضي غير المستغلة، مما منع المضاربة ودفع الملاك إلى استثمار أراضيهم أو بيعها لمن يستطيع استغلالها.

هذا النظام عزّز الاستثمارات الزراعية والصناعية، مما ساهم في نمو الاقتصاد الرواندي بشكل ملحوظ.

 

2. إثيوبيا: حق الاستخدام بدلًا من التملك المطلق

 

في إثيوبيا، تملك الدولة جميع الأراضي، ولكنها تمنح المواطنين والشركات حق الانتفاع بها لمدة طويلة تصل إلى 99 عامًا في بعض الحالات. يهدف هذا النظام إلى:

• الحدّ من المضاربة العقارية، حيث لا يمكن للأفراد أو الشركات الاحتفاظ بالأراضي دون استغلالها.

• تقديم عقود إيجار بأسعار رمزية للمشاريع الإنتاجية، مع فرض غرامات أو استرجاع الأراضي غير المستغلة.

• زيادة الاستثمارات في القطاع الزراعي والصناعي، حيث أصبح بإمكان المستثمرين استئجار الأراضي وفقًا لخطط إنتاجية واضحة.

 

3. جنوب أفريقيا: ضرائب على الأراضي غير المستغلة

 

بعد عقود من التفاوتات الكبيرة في توزيع الأراضي، تبنّت جنوب أفريقيا سياسات للحد من المضاربة وتشجيع الاستخدام العادل للأراضي، من بينها:

• فرض ضرائب تصاعدية على الأراضي غير المستغلة، مما يجبر ملاكها على الاستثمار أو بيعها.

• تقديم حوافز للمزارعين الشباب ورواد الأعمال للحصول على أراضٍ بأسعار مناسبة مع التزامهم بتطويرها.

• دعم مبادرات الملكية الجماعية للأراضي، حيث يتم توزيعها على جمعيات تعاونية بدلاً من الأفراد، مما يضمن استغلالها بطرق مستدامة.

 

4. المغرب: تقييد تحويل الأراضي الزراعية ومنح الأولوية للمجتمعات المحلية

 

في المغرب، تم اتخاذ عدة تدابير لمنع المضاربة العقارية، خاصة فيما يتعلق بالأراضي الزراعية:

• تقييد تحويل الأراضي الزراعية إلى عقارات سكنية أو تجارية، للحفاظ على الإنتاج الزراعي.

• إصدار قانون الشفعة، الذي يمنح الأولوية للمجتمعات المحلية أو الدولة في شراء الأراضي عند عرضها للبيع، لمنع احتكارها من قبل المستثمرين الكبار.

• تقديم حوافز للمزارعين الشباب والمستثمرين الحقيقيين، لضمان استغلال الأراضي بشكل منتج.

 

5. كينيا: برنامج رقمي للحد من الفساد والمضاربة

 

أطلقت كينيا برنامج “Ardhisasa”، وهو نظام رقمي حديث يهدف إلى تنظيم وإدارة الأراضي بشكل أكثر شفافية. وقد أدى هذا البرنامج إلى:

• تقليل التلاعب في السجلات العقارية، مما يمنع عمليات الاحتيال والاستيلاء غير المشروع على الأراضي.

• تسهيل المعاملات العقارية، مما شجع على الاستثمار وساهم في الحد من المضاربة.

• فرض ضرائب على الأراضي غير المستغلة، لضمان عدم احتكارها من قبل المستثمرين غير المنتجين.

 

6. أوغندا: حماية الأراضي العامة من الاحتكار

 

اتخذت أوغندا إصلاحات جوهرية لضمان عدالة توزيع الأراضي، منها:

• منع بيع الأراضي العامة للمستثمرين الأجانب دون موافقة البرلمان، لحماية حقوق المواطنين المحليين.

• إصدار شهادات ملكية جماعية للمجتمعات الريفية، مما يمنع التفتيت العشوائي للأراضي.

• تحديث نظام التسجيل العقاري، لتقليل التلاعب وضمان الشفافية.

 

7. السنغال: توزيع الأراضي على الجمعيات التعاونية الزراعية

 

لمكافحة المضاربة، اعتمدت السنغال نظامًا يمنح الأولوية للجمعيات التعاونية والمزارعين المحليين في الحصول على الأراضي. أبرز الإصلاحات تشمل:

• تخصيص مساحات واسعة من الأراضي للزراعة الجماعية، مع دعم مالي وتقني للمزارعين.

• فرض رسوم إضافية على الأراضي غير المستغلة، مما يجبر ملاكها على تطويرها أو إعادة بيعها.

• تسهيل تسجيل الملكيات لصغار المزارعين لمنحهم الأمان القانوني وحمايتهم من الاستيلاء غير المشروع.

 

8. غانا: تشريعات لحماية السكان الأصليين من نزع الملكية الجائر

 

في غانا، تم تنفيذ سياسات لمنع المضاربة العقارية التي تؤدي إلى تهجير المجتمعات المحلية. أهم الإصلاحات:

• منح حقوق ملكية طويلة الأمد للسكان المحليين، لمنع بيع أراضيهم دون موافقتهم.

• فرض تدابير صارمة على استثمارات الأراضي الكبيرة، حيث تشترط الحكومة خططًا تنموية واضحة قبل منح الأراضي للمستثمرين.

• إصلاح نظام تسجيل الأراضي، لتقليل الفساد وضمان توزيع عادل للملكية.

 

دروس مستفادة من التجارب الأفريقية

 

تكشف هذه التجارب الناجحة عن عدة سياسات يمكن أن تسهم في تقنين الأراضي بطرق عادلة وفعالة:

1. إلزامية تسجيل الأراضي، كما في رواندا وكينيا، لتعزيز الشفافية وتقليل النزاعات.

2. فرض ضرائب على الأراضي غير المستغلة، كما في جنوب أفريقيا والسنغال، لمنع الاحتكار وتشجيع الاستثمار المنتج.

3. تفضيل نظام الانتفاع على التملك المطلق، كما في إثيوبيا، لضمان استغلال الأراضي بدلاً من تخزينها.

4. استخدام التكنولوجيا الرقمية، كما في كينيا وتنزانيا، لمكافحة الفساد وتسهيل إدارة الأراضي.

5. حماية حقوق السكان المحليين، كما في أوغندا وغانا، لمنع تهجير المجتمعات الأصلية.

 

خاتمة

 

تمثل هذه السياسات حلولًا مبتكرة لمعالجة مشكلة المضاربة على الأراضي في أفريقيا، حيث تؤدي إلى تعزيز التنمية العادلة، وتحقيق استغلال أفضل للأراضي، ودفع عجلة الاقتصاد. ومن خلال تعميم مثل هذه الإصلاحات وتكييفها وفق احتياجات كل دولة، يمكن ضمان أن تكون الأراضي وسيلة لتحقيق النمو والاستقرار بدلًا من أن تصبح عائقًا أمام الاستثمار والتنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى