الاستاذ موسى داؤود يكتب :تمبور الفتى الأبنوسي الذي نذر نفسه للوطن

الاستاذ موسى داؤود يكتب :تمبور الفتى الأبنوسي الذي نذر نفسه للوطن

ليس من الغريب أن تجتمع القيم النبيلة في رجلٍ صقلته التجارب، وعركته الأيام، فخرج منها أصلب عودًا وأشد بأسًا. إنه القائد مصطفى نصرالدين تمبور، الذي حمل همَّ الوطن منذ نعومة أظافره، وجعل من قضيته مبدأً لا يلين، ومن نضاله طريقًا لا رجوع عنه.
عرفناه منذ أيام الجامعة، شابًا نبيلاً، خلوقًا، يحمل بين جنبيه قلبًا مفعمًا بحب السودان، وعقلًا واعيًا يعِي تعقيدات الواقع، ويتحرك في دروبه بوعي القائد المتبصِّر. كان حينها طالبًا بكلية القانون في جامعة النيلين، بينما كنا نحن نغوص في أعماق الفكر داخل قسم الفلسفة بكلية الآداب، يفصل بيننا سور الجامعة، لكن النشاط الطلابي كان يجمعنا. هناك، كان تمبور صوتًا مدويًا، يخترق جدران القاعات، فتلهب كلماته حماس الزملاء، كيف لا وهو المتحدث البارع، صاحب الصوت الجهوري، والروح الوثّابة، الذي وقف إلى جانب قضيته بثبات، رفقة زملائه من طلاب دارفور، ومعه الأستاذ خالد عبدالله أسود، وأولئك المثقفون الذين رغم اختلافاتهم السياسية كانوا يؤمنون بأن الحوار هو مفتاح المستقبل، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
لم يكن تمبور مجرد ناشط سياسي عابر، بل كان رجلًا نذر نفسه للحق، حتى إذا اشتد أوار المعركة، ترك حياة المدن الوادعة، والتحق بأدغال جبل مرة، حيث اختار الكفاح المسلح في صفوف حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، متحدثًا رسميًا باسمها، يجوب الأحراش دفاعًا عن حقوق المظلومين، رغم أنه نشأ في بيت عرف بالراحة والرخاء، فهو ابن أسرة تمبور العريقة، تلك التي ارتوت جذورها من مجد النضال، وجدّه لأمه الدمنقاوي فضل سيسي، الذي نهل من معين الحكمة، وعرف مجالس الجودية، فكان تمبور امتدادًا لهذه القيم السامية.
تعرض تمبور للاعتقال، لكن السجون لم تزده إلا صلابةً، ولم تفتّ في عزيمته القضبان. وبعد ثورة ديسمبر المجيدة، كان في طليعة من وضعوا أيديهم في يد السلام، موقّعًا على اتفاقية جوبا من أجل استقرار السودان، غير أن الخائن الجبان حميدتي، أراد وأد هذا الحلم، فانقلب على الدولة والشعب في الخامس عشر من أبريل، محاولًا اغتيال القائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لولا أن قيّض الله له رجالًا من حرسه الرئاسي، قدّموا أرواحهم فداءً للوطن، في ملحمةٍ لن ينساها التاريخ.
واليوم، إذ تُكلَّل مسيرة تمبور بهذا القرار الحكيم بتعيينه واليًا لوسط دارفور، فإننا نقف لنبارك له، ونرفع أكفّنا بالدعاء أن يوفقه الله لما فيه خير السودان، فالمسؤولية عظيمة، والطريق وعر، لكننا نثق أن الفتى الأبنوسي، الذي تمرّس في ميادين النضال، لن يخذل وطنه أبدًا.
هنيئًا لك، أيها القائد الشجاع!
*الأستاذ موسى داؤد الإعلامي المعروف بتلفزيون السودان والأستاذ بكليات الإعلام في الجامعات السودانية*








