بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : الغفلة والتفريط الأمني كانا سبب الكارثة

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :
الغفلة والتفريط الأمني كانا سبب الكارثة
في لحظة قاتلة من الغفلة، وعبر سنوات من التساهل والتواطؤ والصمت، تسللت النكبة إلى قلب الوطن. فلم تأتِ الكارثة الأمنية التي مزقت نسيج المدن السودانية من فراغ، بل كانت نتيجة منطقية لمسار طويل من التجاهل والتفريط في أخطر الملفات: ملف الأمن الوطني والمجتمعي.
ترسانة داخل المدن… وصمت مريب
لقد تمكّنت مليشيات دقلو من تحويل أحياء ومدن بكاملها إلى ترسانات عسكرية مغلقة، تضم السلاح والذخيرة والمرتزقة. ليس ذلك فحسب، بل جرت عمليات ممنهجة لاستجلاب مهاجرين ومستوطنين جدد من دول الجوار، تحت لافتات “المصالحات” و”الاستثمار”، بينما الهدف الحقيقي كان تغيير التركيبة الديمغرافية، والتلاعب ببنية المجتمع السوداني عبر المكر والحيلة والخديعة. ولم تكن هناك رقابة، ولا اعتراض جاد، وكأن الكل تواطأ بالصمت أو الخوف. لقد تحول وجود الأجانب في قلب الأحياء إلى أمر طبيعي، بل ومحمِيّ من بعض الجهات النافذة.
الخلايا النائمة… والقمامة التي تجسّست علينا
أخطر ما في المشهد أن الاختراق لم يكن فقط بالسلاح، بل أيضًا بالاستخبارات والتجسس. فقد استخدمت المليشيا الأطفال الذين يجمعون القمامة في الأحياء، في اكياس يحملونها علي أكتافهم او علي عربات تجرها الحمير، كعيون راصدة وخلايا نائمة، تراقب وتبلّغ وتستعد للساعة صفر. هؤلاء الأطفال لم يكونوا من هواة التسوّل فقط، بل أدوات مدربة تُزرع بيننا في غفلة منا. لم يقتصر الاختراق على الأطفال الذين يجمعون القمامة، بل امتد إلى نقاط التقاطعات المرورية، حيث ترى عشرات الأطفال يقفون طوال اليوم يتوسّلون سائقي العربات، يُظهرون الحاجة والفقر، بينما يُستخدمون في واقع الأمر كوسائل رصد واستطلاع وتحريك للخلايا النائمة.
كما استُخدم النساء اللاتي لا تُرى وجوههن، المنتشرات في الأحياء والأسواق، تحت غطاء الاستعطاف و”السترة”، كوسيلة تمويه وتغلغل داخل المجتمع، بلا أي رقابة أو تحقق من الهوية أو الغرض. وكان واصحاً ان استخدام الأطفال والنساء بهذه الصورة يشير إلى خطة مدروسة لاختراق المجتمع من أضعف نقاطه: العاطفة.
ولم لم تكن جرائم “تسعة طويلة” أحداثًا عشوائية أو ممارسات فردية، بل كانت جزءًا من خطة رعب ممنهج شاملة لترويع المواطن السوداني، وإشاعة الفوضى، وكسر ثقة الناس في الدولة. عمليات السطو، والخطف، والنهب، تمت برعاية غير مباشرة، وغضّ نظرٍ واضح من بعض القوى الأمنية، حتى باتت الجريمة نمط حياة، والخوف سيّد الموقف.
والان هذا هو وقت الصحوة فيما بعد الكارثة وارجو ان لا نُلدغ مرتين. لقد انكشف المستور، وسقط القناع، ولم يعد هناك عذر. ما حدث يفرض علينا مراجعة شاملة، ومسؤولية جماعية، تقول: لن نترك الأمن للحكومة وحدها بعد اليوم. وإن مسؤولية حماية الحي، والشارع، والمجتمع، باتت فرض عين على كل فرد، وأسرة، ولجنة. وهنا تبرز الحاجة الملحة للانتباه، والتنظيم، والتحرك الجاد من داخل المجتمع وهنا، لا يكفي الندم ولا تفيد الحسرة، بل تبرز الحاجة الملحّة إلى انتباه يقظ، وتنظيم محكم، وتحرك جاد ينبع من داخل المجتمع نفسه، لا انتظارًا لحكومة منهكة أو سلطات عاجزة. ومن هذا المنطلق، نقترح الخطوات التالية كواجب جماعي لا يحتمل التأجيل:
1. تكوين فرق حراسة شعبية، بإشراف ولجان الأحياء، وتنسيق مع الشرطة النظامية.
2. مراقبة الحي بأنفسنا، والتبليغ الفوري عن أي ظواهر مشبوهة أو غرباء مجهولي الهوية.
3. منع انتشار “ستات الشاي” داخل الأحياء السكنية، وخصوصًا في الشوارع الجانبية، حمايةً للخصوصية والأمان.
4. عدم الشراء من الباعة الجائلين داخل الأحياء، خاصة أولئك الذين لا يعرفهم أحد، أو يتنقلون بين المناطق دون هوية أو ترخيص.
5. إيقاف تشغيل خدم المنازل غير الموثوقين، وتشجيع الأسر على خدمة أنفسهم ذاتيًا، حفاظًا على أمانهم ومعلوماتهم.
6. تقنين وضبط الوجود الأجنبي، عبر حصر السكان، والتبليغ عن أي عناصر وافدة غير مسجلة أو غير معروفة.
7. تفعيل الشرطة المجتمعية، من خلال التعاون بين السكان وقوات الشرطة المحلية، وتقديم الدعم والمعلومة الصحيحة.
8. تدريب الأطفال في المدارس على حماية أنفسهم وأسرهم، ضمن مناهج تعليمية تربوية حديثة، تبني فيهم الوعي والانتباه والانتماء.
هذه ، يا سادتي، دعوة للحذر البناء ولسنا دعاة تخويف، لكننا نقرع جرس الإنذار قبل فوات الأوان. الأمن لا يُصان بالدعاء فقط، بل بالوعي، والتنظيم، والمراقبة، والانخراط الشعبي الفعّال.
ولنحذر من عودة الغفلة، فهي الثغرة التي تسلل منها الخطر أول مرة. فالحذر الحذر… إن العدو لا ينام.








