ياسر الفادني يكتب .. من أعلي المنصة .. من طين البيوت تُصنع القامات… ومن حضن الأمهات يولد الشهداء

ياسر الفادني يكتب .. من أعلي المنصة .. من طين البيوت تُصنع القامات… ومن حضن الأمهات يولد الشهداء
هذه الصورة ليست جدارًا من طين فقط،
وليست زهراتٍ تتدلّى على صمت القرية،
هذه سيرة وطن كُتبت بلا حبر… بل بالدم.
قرية اتقري بمحلية البرقيق، في الولاية الشمالية،
هنا بدأ الحلم بسيطًا كبيتٍ من طين،
وهنا تربّى الشهيد اللواء الركن معاوية حمد عبدالله،
قائد الفرقة 22 بابنوسة،
الذي اختار أن يقف… لا أن يولي دبره،
واختار أن يواجه… لا أن يساوم،
واختار الشهادة واقفًا، هو ونائبه، داخل الفرقة،
كما يليق بمن أحب أن يموت فداءً للدين والعرض والوطن.
لم يعرف الشهيد معاوية طريق الشواهق،
لم تُغره العمارات الزجاجية،
ولا قصور الضعف والنهب،
ظل ابن الطين…
ذلك الطين الذي يصنع الرجال،
لا أولئك الذين بنوا القصور ثم تركوها،
فدخلها اللصوص،
وصفّقوا اليوم لمن نهبوهم،
وانقادوا لهم كما يُقاد الخنزير من أذنيه.
هذا البيت…
بيت الطين،
ما زالت تسكنه أمه.
امرأة عظيمة،
أرضعته حب الوطن قبل اللبن،
وفطمته على أن السودان أمانة لا تُباع،
هي من شجعته أن يدخل مصنع الرجال… الكلية الحربية،
وهي اليوم لا تزال ثابتة،
كما كانت يوم ودّعته،
تعرف أن من يخرج من هذا البيت
إما أن يعود مرفوع الرأس…
أو لا يعود، فيُرفع اسمه شهيدًا.
استشهد معاوية،
لكنه لم يمت.
مات الجسد،
وبقيت السيرة،
وبقي المعنى،
وبقي السؤال الثقيل في وجه المتخاذلين:
كيف ينهزم من خرج من بيوت الطين؟
وكيف يخون من رضع الوطن مع أول أنفاسه؟
أمثال هؤلاء لا يُنعَون…
أمثال هؤلاء يُؤرَّخ لهم.
يجب أن تُكتب أسماؤهم في صدر الحكاية،
لا في هامش الأخبار،
لأنهم واجهوا،
واستبسلوا،
وسقطوا كما يسقط الكبار…
شهداء.
رحم الله الشهيد اللواء الركن
معاوية حمد عبدالله،
ورحم كل أمٍّ ما زالت تسكن بيوت الطين
وتنجب للوطن رجالًا
لا يعرفون الانحناء.








