بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : هل هزمت الولايات المتحدة نفسها في حربها على الإرهاب؟

في مقال مصوَّر يحمل عنواناً مثيراً هو «أسامة بن ترامب»، يقدم الصحفي والكاتب الأمريكي كريس هيدجز قراءة نقدية لمسار السياسة الأمريكية خلال ربع القرن الذي أعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وهيدجز صحفي وكاتب أمريكي مرموق، وُلد عام 1956، وعُرف خصوصاً بعمله مراسلاً للحروب والنزاعات الدولية. فقد أمضى نحو عقدين في تغطية الأحداث في الشرق الأوسط وأمريكا الوسطى وأفريقيا ومنطقة البلقان، وعمل خمسة عشر عاماً مراسلاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، تولى خلالها رئاسة مكتبيها في الشرق الأوسط والبلقان. كما كان ضمن فريق الصحيفة الذي فاز عام 2002 بجائزة بوليتزر عن تغطيته للإرهاب العالمي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وتُعد بوليتزر من أرفع الجوائز الأمريكية في الصحافة والآداب والموسيقى؛ وقد أنشأها الصحفي والناشر جوزيف بوليتزر، وتتولى جامعة كولومبيا إدارتها منذ عام 1917.
وإلى جانب عمله الصحفي، ألّف هيدجز عدداً من الكتب التي تنتقد الحروب والنزعة العسكرية وتراجع الديمقراطية الأمريكية، ومن أشهرها كتابه «الحرب قوة تمنحنا المعنى». وقد شكلت تجربته الطويلة في مناطق الحروب أساساً لموقفه المعارض للتدخلات العسكرية الأمريكية؛ فهو لا يتحدث عن الحرب من منظور أكاديمي مجرد، وإنما يستند إلى سنوات من المشاهدة المباشرة للدمار الذي تتركه في المجتمعات والدول. ومع ذلك، يُعرف هيدجز بلغته الحادة ومواقفه السياسية الصريحة، وهو ما يجعل كتاباته مؤثرة ومثيرة للجدل في الوقت نفسه.
ويستخدم هيدجز عنوان «أسامة بن ترامب» ليطرح مفارقة سياسية: هل سارت الولايات المتحدة، من خلال حروبها وقراراتها، في الطريق الذي كان أعداؤها يريدون دفعها إليه؟ فهو يرى أن بن لادن لم يكن يتوقع هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، لأنها كانت ولا تزال تتفوق على خصومها في السلاح والتكنولوجيا والموارد، لكنه ربما كان يراهن، وفق هذه القراءة، على استدراجها إلى حروب طويلة ومكلفة تستنزف اقتصادها، وتضعف مؤسساتها، وتشوه صورتها في العالم، وتزيد مشاعر الغضب تجاهها. وبعد خمسة وعشرين عاماً من إعلان «الحرب على الإرهاب»، يعتقد هيدجز أن هذا الهدف قد تحقق إلى حد بعيد، ليس بسبب قوة تنظيم القاعدة، وإنما نتيجة الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة نفسها.
من هجمات سبتمبر إلى الحروب المفتوحة
فعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تعاطف جانب كبير من العالم مع الشعب الأمريكي، وصدرت إدانات واسعة للهجمات، حتى من دول وشعوب كانت تختلف مع السياسات الأمريكية. وكان من الممكن، في رأي هيدجز، استثمار ذلك التعاطف في بناء تعاون دولي حقيقي لمكافحة الإرهاب ومعالجة أسبابه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن الولايات المتحدة اختارت الرد العسكري الواسع، فشنت حرباً على أفغانستان، ثم غزت العراق، ووسعت عملياتها العسكرية والاستخباراتية في مناطق مختلفة من العالم. وقُدمت هذه الحروب باعتبارها دفاعاً عن الأمن والحرية والديمقراطية، لكنها انتهت إلى تدمير مدن ومؤسسات، وسقوط أعداد هائلة من الضحايا، وتشريد الملايين، وإنفاق تريليونات الدولارات.
ويستند هيدجز إلى تقديرات مشروع «تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون، التي تشير إلى أن الحروب التي أعقبت هجمات سبتمبر كلفت الولايات المتحدة نحو ثمانية تريليونات دولار، فضلاً عن الخسائر البشرية المباشرة وغير المباشرة. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الحروب إلى القضاء الكامل على الإرهاب، بل ساهم بعضها في خلق فراغات أمنية وبيئات مضطربة ظهرت فيها جماعات مسلحة جديدة. ومن هنا يطرح هيدجز سؤالاً مركزياً: هل نجحت الحرب على الإرهاب في تقليل عدد أعداء الولايات المتحدة، أم أنها وسعت دائرة الغضب وأنتجت أجيالاً جديدة من الناقمين عليها؟
انتصار عسكري وخسارة سياسية
وتقوم الفكرة الأساسية في تحليل هيدجز على أن أي قوة عظمى تستطيع أن تكسب معارك عسكرية في مواجهة قوة لا تكافئها في العدة والعتاد، لكنها قد تخسر الحرب سياسياً وأخلاقياً. فالولايات المتحدة أسقطت حكومات، واحتلت أراضي، وقتلت قادة جماعات مسلحة، لكنها لم تنجح في إنشاء نظام إقليمي أكثر استقراراً أو تحسين صورتها لدى شعوب المنطقة. وأصبحت صور سجن أبو غريب، والدمار الذي لحق بالعراق وأفغانستان، وعمليات القتل بالطائرات المسيّرة، ودعم إسرائيل في حرب غزة، جزءاً من الذاكرة السياسية لشعوب كثيرة. ويرى هيدجز أن هذه الصور أضعفت الخطاب الأمريكي عن حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية، خصوصاً في دول الجنوب العالمي.
ولقد قدمت الولايات المتحدة نفسها، على مدى عقود، بوصفها نموذجاً للحرية والانفتاح وحكم القانون، لكن ممارساتها الخارجية عندما تتعارض مع هذه المبادئ تفقدها جانباً مهماً من قوتها الأخلاقية، حتى لو احتفظت بتفوقها العسكري. فالقوة الدولية لا تقوم على السلاح والاقتصاد وحدهما، وإنما تعتمد أيضاً على الثقة والشرعية والقدرة على إقناع الآخرين.
عندما تعود أدوات الحرب إلى الداخل
ولا يقصر هيدجز آثار الحروب الأمريكية على الخارج، بل يربط بينها وبين ما حدث داخل الولايات المتحدة نفسها. فبعد هجمات سبتمبر، صدرت قوانين وسعت سلطات المراقبة وجمع المعلومات، وجرى تقييد بعض الحريات باسم حماية الأمن القومي. كما ازدادت عسكرة أجهزة الشرطة، وتوسعت صلاحيات المؤسسات الأمنية، وأصبح الخوف من «العدو الداخلي» جزءاً من الخطاب السياسي. وفي هذا السياق، يستند هيدجز إلى فكرة تاريخية مفادها أن الإمبراطوريات المتراجعة كثيراً ما تنقل إلى الداخل الأدوات التي استخدمتها للسيطرة على الشعوب في الخارج؛ فالمراقبة الواسعة، والاعتقالات، وتصنيف المعارضين باعتبارهم خطراً أمنياً، وتبرير الإجراءات الاستثنائية باسم حماية الدولة، قد تبدأ في ساحات الحرب، ثم تتحول تدريجياً إلى ممارسات داخلية.
ومن وجهة نظره، ساهمت الحروب الخارجية أيضاً في إهمال مشكلات المجتمع الأمريكي؛ ففي الوقت الذي أنفقت فيه الحكومة تريليونات الدولارات على العمليات العسكرية، ظلت البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية والطبقات العاملة تواجه صعوبات متزايدة. ونتيجة لذلك، أدى الشعور بالتهميش وفقدان الأمان الاقتصادي إلى اتساع الانقسام الاجتماعي والسياسي.
ترامب نتيجة للأزمة وليس بدايتها
وعلى الرغم من الهجوم الحاد الذي يوجهه هيدجز إلى الرئيس دونالد ترامب، فإنه لا يحمله وحده مسؤولية تراجع الولايات المتحدة، لأن الأزمة، في رأيه، بدأت قبل وصول ترامب إلى السلطة، وشاركت في صنعها إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة. فقد بدأ جورج بوش الابن الحروب الكبرى بعد هجمات سبتمبر، واستمرت بعض سياساتها في عهد باراك أوباما، بينما لم يتمكن جو بايدن من إنهاء الانقسامات الداخلية أو استعادة الثقة في السياسة الأمريكية. ومن ثم، فإن ترامب ليس منشئ الأزمة، وإنما تعبير صارخ عن نتائجها.
ويصور هيدجز ترامب بوصفه رئيساً يستثمر في الخوف والغضب، ويقدم للمواطنين أعداء داخليين وخارجيين يحملهم مسؤولية تراجع أوضاعهم. فبدلاً من معالجة الأسباب الاقتصادية والمؤسسية العميقة، يُقال للناس إن مشكلاتهم سببها المهاجرون أو المسلمون أو المثقفون أو الصحفيون أو المعارضون السياسيون. ويحذر هيدجز من أن هذا الخطاب يمكن أن يحول القلق الاجتماعي المشروع إلى قومية متشددة، ويضعف المؤسسات الدستورية، ويقسم المجتمع إلى «وطنيين» و«خونة»؛ فعندما تصبح القوة بديلاً عن القانون، ويتحول الخصم السياسي إلى عدو يجب التخلص منه، تدخل الديمقراطية مرحلة شديدة الخطورة.
الحرب على إيران والفصل الأخير
ويذهب هيدجز إلى أن حرب ترامب على إيران قد تمثل الحلقة الأخطر في سلسلة الأخطاء الاستراتيجية الأمريكية، لأن إيران تختلف عن الدول التي خاضت الولايات المتحدة حروباً ضدها خلال العقود الماضية؛ فهي دولة كبيرة من حيث السكان والمساحة، وتمتلك قدرات عسكرية وشبكة من العلاقات والنفوذ الإقليمي، كما تقع بالقرب من ممرات حيوية لنقل النفط والتجارة الدولية. ولذلك، فإن آثار الحرب معها لا تقتصر على الطرفين، بل يمكن أن تهدد استقرار منطقة الخليج، وترفع أسعار الطاقة، وتعطل التجارة، وتؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله. كما قد تؤدي إلى إضعاف علاقات الولايات المتحدة بحلفائها، ودفع مزيد من الدول إلى البحث عن ترتيبات سياسية واقتصادية بعيدة عن الهيمنة الأمريكية. ومن هنا يرى هيدجز أن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية جديدة، وإنما اختبار لمستقبل القوة الأمريكية ومكانتها في النظام الدولي.
هل انتهت الإمبراطورية الأمريكية؟
ويستخدم هيدجز لغة حاسمة، ويعلن أن الولايات المتحدة تدخل الفصل الأخير من إمبراطوريتها، غير أن هذا الاستنتاج يحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر شبكة تحالفات عسكرية في العالم، واقتصاداً ضخماً، ومؤسسات علمية وجامعات متقدمة، وشركات تكنولوجية كبرى، ونفوذاً مالياً وثقافياً واسعاً، كما لا يزال الدولار يحتل موقعاً مركزياً في الاقتصاد الدولي.
ولذلك، قد يكون الحديث عن النهاية الفورية للنفوذ الأمريكي مبالغاً فيه، لكن من الصعب تجاهل علامات التراجع النسبي، مثل ارتفاع الدين العام، والانقسام السياسي، وتراجع الثقة في المؤسسات، وصعود الصين، وتوسع مجموعة بريكس، ورغبة عدد متزايد من دول الجنوب العالمي في بناء نظام دولي متعدد الأقطاب. فالقوى الكبرى لا تسقط عادة في يوم واحد، بل تتراجع تدريجياً عندما تتجاوز التزاماتها الخارجية إمكاناتها الاقتصادية، وتضعف مؤسساتها الداخلية، وتفقد قدرتها على إقناع الآخرين بشرعية قيادتها. ومن هذه الزاوية، يستحق تحذير هيدجز الاهتمام، حتى إذا اختلفنا مع لغته القاطعة.
هل هزمت الولايات المتحدة نفسها؟
إن أهم ما يطرحه مقال «أسامة بن ترامب» ليس المقارنة المثيرة التي يحملها العنوان، وإنما السؤال الكامن وراءها: هل يستطيع العدو أن يدفع دولة قوية إلى اتخاذ قرارات تؤدي إلى إضعافها من الداخل؟ فبحسب هيدجز، لم يهزم بن لادن الولايات المتحدة عسكرياً، لكنه نجح في استفزازها ودفعها إلى حروب مكلفة ساهمت في استنزاف مواردها وتقويض صورتها الأخلاقية. وعوضاً عن عزل الجماعات الإرهابية عن مجتمعاتها، ساعدت بعض السياسات الأمريكية على زيادة الغضب الذي تتغذى عليه تلك الجماعات.
وقد نختلف مع كريس هيدجز في بعض أحكامه، وفي تحميله السياسة الأمريكية مسؤولية معظم أزمات المنطقة، وفي إعلانه المبكر نهاية الإمبراطورية الأمريكية، لكن رسالته الأساسية تبقى جديرة بالنقاش: فالقوة العسكرية وحدها لا تصنع الأمن، والحروب التي تبدأ تحت شعار الدفاع عن الدولة قد تنتهي بإضعافها، كما أن الدولة العظمى لا تحتاج دائماً إلى عدو يهزمها؛ إذ قد تهزم نفسها عندما تستبدل الدبلوماسية بالقوة، والقانون بالخوف، والحكمة بغرور التفوق.
المصدر: المادة الأصلية بعنوان «Osama Bin Trump» لكريس هيدجز، المنشورة في يوتيوب في 12 سبتمبر 2026.
بروفيسور بكري موسي عبد الكريم
18 سبتمبر 2026








