د. أيمن عبدالعزيز محمود عيسى يكتب : حين تنكشف الموازين: الضنك والشقاء بين عبور الدنيا وقرار الآخرة

في الطريق إلى الله تتزاحم الأسئلة الكبرى في قلب الإنسان، وتتوالد من رحم التأمل آفاق جديدة للفهم، حتى يغدو القرآن الكريم عالَمًا حيًّا متجدّد الإشراق، كلما أمعن العبد النظر في آياته تكشّفت له طبقات أعمق من المعاني، وارتفعت أمامه الحجب التي تصنعها العادة والتلقين السطحي. ومن أعظم القضايا التي تستوقف العقل المؤمن قضية “الضنك” و“الشقاء”: أين موضعهما الحقيقي؟ أفي الدنيا أم في الآخرة؟ وكيف نفهم وعد الله ووعيده في ضوء ما نراه من تفاوت أحوال الناس، ورغد عيش كثير من الكافرين، وعسر حياة طائفة من المؤمنين؟
إن هذه الأسئلة لا تنبع من جدلٍ ذهني مجرّد، وإنما تنبثق من توق الروح إلى الاتساق مع حكمة الله، ومن رغبة القلب في أن يرى العالم على ضوء الوحي، لا على ضوء الانطباع العابر والمشهد الجزئي المحدود.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
آية تهزّ الوجدان، وتفتح أبوابًا واسعة للتأمل. فما المراد بالمعيشة الضنك؟
كثير من المفسرين ذهبوا إلى أن الضنك يقع في الدنيا؛ لأن الإعراض عن الله يورث القلق والوحشة واضطراب القلب، مهما توافرت أسباب النعيم الظاهر. وهذا معنى جليل صحيح من جهة الأثر الروحي، فالروح التي تنقطع عن خالقها تبقى متعطشة، مهما غمر الجسد فائض المتع. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
غير أن التدبر في السياق القرآني يفتح أفقًا أوسع، ويجعل احتمال كون “المعيشة الضنك” متصلة بالآخرة احتمالًا قويًّا عميق الدلالة؛ فالآية نفسها تعقب بذكر الحشر:
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾،
ثم يأتي احتجاج الكافر:
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾،
فيكون السياق كله متجهًا إلى مشهد الآخرة، حيث تنكشف حقائق المصير، ويظهر المعنى الكامل للضيق والحرمان.
والقرآن حين يتحدث عن الدنيا يقرر بوضوح أنها دار تداول وتقلب وابتلاء، لا دار جزاء نهائي. فالمؤمن قد يضيق عيشه، ويجوع، ويخاف، ويفقد، ويكابد من ألوان البلاء ما يرهق الجسد والقلب، كما قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾.
ولو كان الضنك الدنيوي علامة حصرية على الإعراض، لالتبس الأمر على الناس، ولصار أشدّ المؤمنين بلاءً داخلين في مقتضى الوعيد، مع أن النصوص الكثيرة تدل على أن الأنبياء أنفسهم ذاقوا مرارة العسر، وضيق الحال، ومكابدة الطريق.
إن نوحًا عليه السلام عاش غريبًا بين قومه قرونًا طويلة.
وإبراهيم أُلقي في النار.
ويعقوب ابيضّت عيناه من الحزن.
وموسى خرج خائفًا يترقب.
ورسول الله ﷺ ربط الحجر على بطنه من الجوع، وفقد الأحبة، وأوذي وطورد وحوصر.
فأي ميزان ذاك الذي يجعل سعة الدنيا معيار الرضا، أو يجعل ضيقها عنوان الشقاء؟
إن القرآن ذاته يهدم هذا التصور حين يقول:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾،
وحين يقول:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾.
فالإمداد الدنيوي قد يكون استدراجًا، وقد يكون إمهالًا، وقد يكون جزءًا من سنن الابتلاء العام الذي تجري فيه الحياة وفق قوانين الأسباب. الدنيا لا تعطي صورتها النهائية لأحد؛ فهي مسرح الامتحان، لا ساحة الفصل الأخير.
ومن هنا يبرز معنى بالغ العمق:
الضنك الحقيقي هو ضيق المصير حين تنطفئ كل منافذ الرجاء، وحين يجد الإنسان نفسه محرومًا من نور الله في الدار التي لا موت بعدها ولا انتقال عنها.
هناك يصبح الضيق مطبقًا لا انفراج فيه، وتغدو الحسرة إقامة دائمة، ويصير الحرمان قدرًا مقيمًا.
أما الدنيا، فعلى شدتها، تبقى عابرة.
يجوع المرء اليوم ثم يشبع.
ويحزن ثم يفرح.
ويضيق عليه أمر ثم يُفتح له باب.
حتى أكثر الناس بؤسًا في الدنيا تظل أمامه احتمالات التبدل والانفراج والرحمة.
أما الآخرة فهي دار القرار.
ومن هنا تتجلى روعة التأمل الذي ذهب إلى أن الشقاء شقاء الآخرة في المقام الأتم والأكمل.
قال تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
هذا حكم نهائي متعلق بالمآل الأبدي.
فالسعادة هناك ليست لحظة عابرة، وإنما استقرار كامل في رضوان الله.
والشقاء هناك ليس كآبة وقتية، وإنما مقام دائم في العذاب والحرمان.
وقال سبحانه:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
فالسياق أخروي صريح، يرسم صورة القرار الأخير بعد انقضاء رحلة الامتحان.
وعلى هذا المعنى يشرق فهم قوله تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
فالضلال قد يتعلق بطريق الدنيا، إذ الهداية تحفظ البصيرة من التيه والانحراف، أما الشقاء فغايته الكبرى في الآخرة؛ أي لا ينتهي صاحب الهدى إلى الشقاء الأبدي الذي يحيط بالكافرين والمعرضين.
إن المؤمن قد يتألم، وقد يبكي طويلًا، وقد تضيق عليه الأرض بما رحبت، غير أن قلبه يبقى متصلًا بالرجاء، وروحه تبقى معلقة برحمة الله، ونهايته محفوظة بوعد الله:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾.
وهذا الفهم ينسجم مع طبيعة الدنيا ذاتها؛ فهي دار عبور، لا دار استقرار.
فيها تتجاور الأضداد، وتتقلب الأحوال، ويتداول الناس مواقع القوة والضعف والغنى والفقر.
أما الآخرة فهي دار الانكشاف الكامل، حيث تظهر الحقائق مجرّدة من الزخارف والأوهام.
ومن التأملات البديعة كذلك الوقوف عند وصف “الصالحين” في القرآن، وكيف يتكرر اقترانه بالآخرة:
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
فالصلاح التام هناك، حين تكتمل نجاة الروح، وتتحرر من شوائب النقص والفتنة، ويُكتب لها القرب الدائم من الله.
وعلى هذا الضوء يمكن فهم قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
فكثير من الناس حصروا المعنى في أرض الدنيا، مع أن مشهد التاريخ الإنساني يكشف أن الأرض تداولتها أمم شتى، صالحون وطغاة، مؤمنون وجبابرة، ولم تنقطع وراثتها عن المفسدين في أي عصر.
أما إذا نُظر إلى “الأرض” بوصفها أرض الآخرة بعد تبدل العالم، انفتح المعنى على أفق مهيب؛ إذ تصبح الوراثة النهائية لعباد الله الصالحين، أولئك الذين نجوا من فتنة العبور ووصلوا إلى دار الخلود.
ويزداد هذا المعنى إشراقًا عند قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾.
فهذه وراثة أخروية واضحة، في عالم تبدلت فيه الأرض والسماوات، وانكشف فيه الوعد الحق، وسقطت كل المقاييس المؤقتة التي كانت تخدع الأبصار في الدنيا.
إن أعظم ما يحرر القلب من الاضطراب أن يدرك أن الدنيا لا تصلح أن تكون ميزانًا نهائيًّا للحكم على رضا الله أو سخطه.
كم من إنسان غارق في النعيم الظاهر وقلبه خراب موحش ينتظر المصير العسير.
وكم من عبد أثقلته الهموم والآلام، غير أن روحه عند الله في المقام الكريم، يهيئها البلاء لنور لا ينطفئ.
ولهذا كان أهل الإيمان ينظرون إلى البلاء بعين أخرى؛ عين ترى وراء التعب حكمة، ووراء الانكسار تربية، ووراء الصبر فتحًا خفيًّا لا تدركه العيون المستعجلة.
إن العسر في حياة المؤمن لا يعبّر عن هوانه على الله، وإنما قد يكون علامة اصطفاء وتهيئة ورفع درجات.
وقد جاء في الأثر: “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل”.
فالمعيار الحق ليس مقدار ما يملك الإنسان، وإنما إلى أين ينتهي.
فالرحلة كلها تختصرها النهاية.
هناك، في اليوم الذي تنكشف فيه السرائر، وتتلاشى فيه الزينة العابرة، يعرف الناس حقيقة الضنك، وحقيقة السعة، وحقيقة الشقاء، وحقيقة الفوز.
هناك يدرك أهل الدنيا أن النعيم الذي انقطع كان ظلًّا زائلًا، وأن العذاب الذي استمر هو الحقيقة الثقيلة التي لا مهرب منها.
وهناك يدرك المؤمن الذي صبر في أيام التعب أن كل دمعة احتسبها كانت طريقًا إلى الرحمة، وأن كل لحظة ضاقت بها نفسه كانت تُنسج له بها منازل القرب والرضوان.
فما أوسع الفرق بين ضيق ساعة يعقبه خلود النعيم، وضحكة عابرة يعقبها ليل طويل من الحسرة.
إن القرآن يريد للإنسان أن يخرج من أسر اللحظة المحدودة إلى سعة الأفق الأخروي؛ فالدنيا مهما طالت قصيرة، ومهما عظمت محدودة، ومهما ازدانت منطفئة عند أول نفخة في الصور.
أما الآخرة فهي الحقيقة الكبرى التي تُوزن بها الأشياء كلها.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب تهدأ الحيرة، ويصفو النظر، ويفهم المؤمن أن طريق الله قد يمر عبر التعب، غير أن نهايته أمان لا ينقطع، ورضوان لا يزول، وسعادة لا يعقبها خوف.
تلك هي البشرى التي يسكبها القرآن في روح المؤمنين:
أن العبرة ليست بما يراه الناس في ظاهر الأيام، وإنما بما يلقاه العبد عند الله يوم يقوم الناس لرب العالمين.







