رأي

بشارة جمعة أرور .. قوقو المصطلحات ضجيج بلا أثر ..  بلاغة العجز والاستيراد الأعمى

 

 

بشارة جمعة أرور .. قوقو المصطلحات ضجيج بلا أثر ..  بلاغة العجز والاستيراد الأعمى

 

” الهتافات الصاخبة والمصطلحات الطنانة تغطي فراغاً لا يُرى إلا في غياب الرؤية والفعل، والمواطن يشاهد السياسة صخباً يلتهم الطاقات ولا يثمر شيئاً. بنية اللغة التي تُدار بها السياسة فقدت وظيفتها التفسيرية وانفصلت عن الواقع والمتغيرات وشروط الفهم للحيثيات الظرفية، وتحولت من أداة للتبليغ والتواصل والتفاهم إلى وسيلة للتمويه والتغطية، ومن فضاء للتفكير العقلاني الموضوعي إلى قناع لغوي يُخفي عجزاً بنيوياً عن إنتاج الأفكار وبناء الرؤية الوطنية.”

 

لقد أصبح الخطاب السياسي يعتمد على استدعاء المصطلحات بدل صياغة الحلول، وأن كل مصطلح يُرفع كغطاء للحقيقة أكثر من كونه أداة تفكير، مما يحول السياسة من فعل إنتاجي إلى طقس لغوي يستهلك الطاقات دون عوائد فكرية حقيقية، ويجعل أي نقاش موضوعي عرضة للاستهلاك الرمزي والتدليس بدل منصة تفاكرية من أجل إنتشال الدولة من الضياع.

وعليه سنتناول المصطلحات واحد تلو الأخر؛ ونبدأ بمصطلح “الدولة العميقة” يُستعمل كشماعة لتبرير أي فشل، دون محاولة لفهم بنيتها المؤسسية أو تاريخ شكلها ومكوناتها…، وكأن مجرد التلفظ به يكفي لتفسير التعقيدات السياسية.

 

هذا الاستخدام المبتذل للمصطلحات لا يحجب الحقيقة فحسب، بل يشلّ ويعطل القدرة على صياغة حلول عملية، مما يؤدي إلى تعطيل المؤسسات وتعميق الفراغ السياسي، ويزيد من هشاشة الدولة على المدى الطويل، ويترك المواطن في حالة تساؤل دائم عن جدوى هذه اللغة الطنانة.

أما “الشرعية الثورية”، فهي الأخرى يُرددها من لا يعرف الفرق بين الشرعية السياسية والزمنية والأخلاقية، وكأن التلفظ بها يمنح امتيازاً دائماً ويعلق المساءلة عن الأداء. وكذلك يُستدعى مصطلح “الإجماع الوطني” بوصفه تعبيراً فضفاضاً، لا ليعكس توافقاً حقيقياً بقدر ما يُستخدم كغطاء لإخفاء غياب هذا التوافق، أو أداة لتكميم وتحييد الخلاف المشروع، بما يفضي عملياً إلى تقويض الحوار وسد قنوات الوصول إلى قرار واقعي قابل للتنفيذ،وبما يحوّل الخلاف من أداة إنتاج إلى حالة انسداد دائم، ويُضعِف القدرة على بناء مؤسسات مستقرة وفاعلة، ويكشف عن ضعف الرؤية الاستراتيجية لدى النخب السياسية، ويجعل التخطيط رهينة عجز مستمر، كما لو أنّ اللغة نفسها تحوّلت إلى حائط صدّ في مواجهة الفعل الحقيقي.

 

في المقابل، نجد الاستيراد الأعمى لمفاهيم عالمية غير متكيفة مع الواقع المحلي، مثل “النيوليبرالية” التي تُستعمل كشتيمة جاهزة ضد أي سياسة اقتصادية، دون معرفة جذورها أو تطبيقاتها المختلفة، و”اليمين واليسار” التي تُكرر ميكانيكياً في فضاءات سياسية لم تتشكل فيها أصلاً أحزاب طبقية واضحة. ويُستعمل مصطلح “الانتقال الديمقراطي” وكأنه تعويذة لغوية، يُقال بلا تصور لمؤسسات، أو شروط، أو جدول زمني، وكأن مجرد التلفظ يحقق الديمقراطية، ويُرفع شعار “الدولة المدنية” دون تحديد موقع القوة المسلحة أو ضمانات احتكار العنف المشروع.

 

هذا الاستيراد الأعمى والاستجلاب العشوائي لا يعكس انفتاحاً فكرياً، بل يكشف عن فقر القدرة على إنتاج المفهوم محلياً، وعن ذهنية تقلد اللغة بدل أن تُخضعها للنقد، ويحول المصطلح إلى زينة خطابية بلا جدوى، مما يزيد هشاشة السياسة ويعطل القدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. مقارنة بالتجارب الدولية، نجد أن استجلاب أو استيراد هذه المصطلحات من سياقات ذات مؤسسات مستقرة، كما في بعض التجارب الأوروبية أو الأمريكية، لا يصلح لسودان يواجه أزمة تراكمية في المؤسسات والثقة، ويجعل المواطن يعيش تجربة خطابية بعيدة كل البعد عن واقعه اليومي.

 

وكذلك تتعرض الشعارات الثورية لنفس التجاهل للواقع، “تفكيك المنظومة” يُرفع بلا خطة ولا تعريف للبنية المراد تفكيكها، و”إسقاط النظام” يُستخدم دون تصور لما بعده، وكأن الفراغ السياسي يولد الدولة تلقائياً، أما “الحكم المدني الكامل” فيُردد بلا تعريف دقيق للعلاقة بين المدني والعسكري أو لضمانات الاستقرار والاستدامة، فتتحول الثورة من مشروع تغيير شامل إلى شحنة انفعالية مؤقتة تغذي الخطاب دون بناء الدولة، وتنتج ضجيجاً لغوياً أكثر مما تنتج واقعاً سياسياً جديداً، واستمرار هذه البلاغة الزائفة يؤدي إلى تعطيل المؤسسات وخلق أعداء وهميين وتراجع الثقة العامة، وإضعاف الدولة على المدى الطويل، تاركاً الشعب في حلقة من الانتظار والدهشة.

 

ويتم استدعاء المصطلحات الأخلاقية لتقسيم المجال العام وخلق اصطفافات وهمية؛ مصطلح “فلول” يُستعمل لإلغاء الآخر بدل محاسبته، و”ثوري/غير ثوري” يُختزل فيه التعقيد السياسي إلى ولاء لفظي، بينما “قوى الردة” مجرد لغة تعبئة وإدانة رمزية لا تحليل سياسي. وبالمثل، نجد أن المصطلحات الفضفاضة مثل “المشروع الوطني” أو “إرادة الشعب” أو “الوعي الجماهيري” تُستحضر بلا برنامج أو أدوات تنفيذ، وتخفي فشل النخب في التنظيم وصياغة السياسات وتقديم إجابات واقعية للأسئلة المعقدة حول الاقتصاد والسياسة والسلام وبناء الدولة.

 

هذه اللغة المريحة تمنح المتحدث وهمًا بالعمق دون التزام فعلي، وتُحجب عن السياسيين والجمهور رؤية حقيقية عن النتائج والاستراتيجيات المطلوبة، بينما الواقع يصر على التناقضات اليومية. تُستعمل أيضًا مصطلحات الثورة والحرية بلا محتوى واضح، وهنالك حركات وجهات ثورية تتغنى بشعار “ثورة مستمرة والنصر أكيد”، لا بوصفه برنامجاً أو التزاماً عملياً، بل كشعار تشويقي يُستدعى عند الحاجة، ويُكرر كطقس لغوي أكثر منه موقفاً سياسياً، يتحول الشعار هنا إلى بديل عن الرؤية، وإلى ستار يُخفي غياب الخطة…، بينما تُستهلك الثورة في الهتاف بدل أن تُستثمر في البناء والتنظيم وتحويل الشعارات إلى أفعال قابلة للقياس والتطبيق، وفي السياق ذاته، هناك حركات وجهات ثورية تختزل مفهوم الثورة في النضال المعلن فقط عبر الشعارات، فتخلط بين الشعار والهدف الفعلي للثورة، وتردده كتعويذة لغوية دون أن يتحول إلى مشروع وبرنامج حقيقي للتغيير، فتغدو الثورة مجرد صخب مستدام بلا مسار، ويصبح النصر وعداً مؤجلاً، بل رافعة سياسية لجهات كثيرة عجزت منذ عقود عن إنفاذ أيديولوجياتها المُحنطة وأفكارها المُجمدة، ويُستعمل هذا المصطلح للتعبئة فقط لا للمساءلة عن البرنامج أو القيادة أو النتائج، وحدود المسؤولية أمام الناس، وكذلك يُستعمل مصطلح “أرضية جديدة للحرية” كرمزية خالية من الإجراءات الفعلية، و”الانتفاضة الشعبية” يُستدعى للإشارة إلى أي احتجاج دون تمييز بين أهدافه أو صلاحيته القانونية، بينما تُختزل شعارات الاستعلاء العرقي والتاريخي مثل “الهوية الوطنية الحقيقية” أو “أجدادنا صنعوا الدولة” أو “المشروع الحضاري” في خطاب مبهم لتبرير الاستبعاد السياسي وتجنب مواجهة الواقع،بما يؤدي إلى تعطيل مؤسسي وتأخر في بناء الدولة وضياع الفرص أمام الأجيال القادمة.

 

ولا ننسى المصطلحات الإقصائية والتهكمية مثل “خونة الداخل” و”العميل الخارجي” و”فلول النظام السابق” و”قوى الردة/التحالف الرجعي”، التي تُستعمل لتصنيف الخصوم، وإغلاق النقاش، وتطويق أي نقد أو اعتراض، وتحويل الخلاف السياسي إلى قضية شخصية، بما يبرر استبعاد أطراف كاملة من العملية السياسية ويحدّ من فرص الحوار الفعّال، بينما تُستعمل المصطلحات الحداثية المستوردة مثل “الحكم الرشيد” و”المجتمع المدني الفاعل” و”الليبرالية السياسية” و”الديمقراطية التشاركية” و”العدالة الاجتماعية” للتجميل الرمزي بلا برامج واضحة أو مؤشرات أو خطط تطبيقية، نجد مصطلحات عامة للتعبئة مثل “القوة الناعمة” و”الثورة المضادة” و”المشروع الوطني الكبير” تُستعمل لإيهام العامة بالقدرة على التغيير، ولخلق أعداء وهميين يبرر الاستقطاب ويخفف الضغط عن الفاعلين، وهذا كله يعكس نقص القدرة على التفكير الاستراتيجي طويل المدى، ويبرز هشاشة مؤسسات الدولة واستقرارها، ويكشف عجز الخطاب السياسي عن إنتاج حلول عملية واقعية.

كل هذه المصطلحات تكشف أن اللغة السياسية في السودان أصبحت مرآة للعجز الهيكلي والتنظيمي، فمن يملك رؤية واضحة يعرف المصطلح قبل استعماله، ومن يفتقر للفهم يكرر الكلمات والشعارات ويرددها كالبغاغوات، دون أن يسأل عن معناها أو كيفية تنفيذها. ليس العيب في التكرار نفسه، بل في غياب الوعي وتحويل الفكر إلى صدى فارغ؛ ومن لا يستطيع إنتاج المفهوم يلجأ إلى استيراده بلا سياق، ليصبح خطاباً بلا جوهر.

 

وفي أفق التحليل الاستراتيجي، لا يمكن فهم الانفجار المصطلحي بمعزل عن صناعة الحشود، التي لا تعني مجرد ظاهرة عفوية للجمهور، بل تفكيك الآليات التي تُحوَّل بها الكتل البشرية من أفراد فاعلين إلى جمهور منقاد، عبر أدوات نفسية وإعلامية ورمزية وتنظيمية، حيث لا يُنظر إلى الحشد كفاعل واعٍ أو شريك في القرار العام، بل كمُنتَج يُعاد تشكيل إدراكه وسلوكه بما يخدم أهداف التعبئة السياسية لا متطلبات الوعي ولا مقتضيات البناء الوطني، تبدأ العملية بالتحكم في الإدراك من خلال تبسيط القضايا المعقدة إلى شعارات مختزلة وصناعة ثنائيات حادة من قبيل نحن/هم أو وطني/خائن، ويُستدعى العاطفة بوصفها أداة مركزية في عملية التعبئة، إذ يُستثمر الخوف والغضب والإحباط أو الأمل المؤجل لإضعاف التفكير النقدي وتحويل الفعل السياسي من اختيار عقلاني إلى استجابة انفعالية متكررة، وتتعزز هذه الآليات عبر الرموز والطقوس من هتافات وأعلام وأغانٍ ووجوه كاريزمية، فتتحول السياسة إلى طقس جمعي يُمارس لا مشروع يُناقش، ويُستبدل السؤال بالترديد والنقاش بالانضباط العاطفي، وفي قلب هذه العملية تلعب اللغة دوراً بالغ الخطورة، إذ تُستخدم مصطلحات بسيطة ومباشرة وفجّة من قبيل “تسقط بس” و”تبكي بس” و”عملية بدون بنج”، وهي مصطلحات ذات حمولة غريزية/جسدية لإنتاج تحشيد سريع يُعطل العقل، تخاطب الغريزة قبل العقل وتستدعي الاستجابة الفورية بدل التقدير العقلاني، وتنتج نشوة جماعية عابرة شعور الحشد بالقوة والانتصار الرمزي دون إنتاج وعي سياسي أو مسار واضح للتغيير، وكلما كانت العبارة أبسط وأكثر جسدية، كانت أسرع انتشاراً وأقوى تأثيراً في الحشد وأضعف في إنتاج المعنى.

 

ويُعاد أيضاً إنتاج العدو الوظيفي والمغرض الخفي المختلق لأغراض التحشيد، أي اختراع خصم دائم لتبرير التعبئة المستمرة، ويُبقي الحشد في حالة استنفار بلا نهاية، بينما الإعلام والخطاب يعززان هذا النمط عبر التكرار بدل الإقناع والكثرة بدل الجودة وتضخيم الحدث الصغير وتغييب السياق، حتى يصبح السيل الخطابي والضجيج بديلاً عن الرؤية، وتظل الحشود تُستهلك سياسياً ثم تُترك، فتتحول الثورة أو القضية الوطنية نفسها إلى وقود للتعبئة بلا مسار عقلاني للتغيير وبناء الدولة.

 

وهكذا، في السودان، يظهر بوضوح تضخم الخطاب مقابل فقر البرامج، واستدعاء الشارع دون تحويله إلى قوة مؤسسية منظمة، واستخدام المصطلحات الكبيرة والشعارات الغريزية كبدائل للفعل السياسي، فتغدو الحشود أداة لتعويض غياب المشروع لا رافعة لبنائه، ومع استمرار هذا النمط تصبح المعركة الحقيقية للسياسة هي معركة اللغة نفسها، من تحريرها من بلاغة العجز واستيراد المصطلح الجاهز، وإعادتها إلى وظيفتها الأصلية كأداة للفهم والتنظيم والمساءلة لا كزينة للخطاب أو غطاء للفشل، فوضوح اللغة شرط أساسي للجدية، ودقة المفهوم أساس أي مشروع سياسي واقعياً قابل للحياة، وكل خطاب يراهن على الغموض إنما يراهن على استمرار العجز.

إن العبث بالكلمات والمصطلحات بلا فهم يُسقط الدولة في فراغ يبتلع الطموح، وتتحول الشعارات الخاوية إلى رموز بلا أثر. هذه الرموز لا تصنع وعياً ولا تغير واقعاً، بل تغرق السياسة في الوحل والوهم الدائم، حيث يغيب الفعل والإنتاجية وتصبح اللغة أداة استهلاك للطاقة بدل أن تكون محركاً للتغيير.

 

وعليه، فإن ما قصدناه في هذا المقال ليس مجرد تسليط الضوء أو تشخيص لغوي أو تفكيك للمصطلحات المتداولة، بل هو، في تقديرنا وفهمنا، نداء استراتيجي للقيادات السياسية والفكرية لإعادة النظر في أدوات التفكير ومنهج اتخاذ القرار، قبل أن تصبح اللغة نفسها عائقًا أمام بناء الدولة واستشراف المستقبل.

وبالطبع، فهم كل مصطلح أو ثغرة لغوية هو مفتاح معالجة أي أزمة استراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى