بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : حين يضيع صوت المواطن في دهاليز البيروقراطية

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : حين يضيع صوت المواطن في دهاليز البيروقراطية
مع استئناف الحكومة عملها من الخرطوم، وبروز فريق متجدّد من الوزراء والمسؤولين الشباب، يتولّى كثيرٌ منهم مسؤوليات إدارية للمرة الأولى، تتجدّد آمال مشروعة في أن يصاحب هذا التحوّل قدرٌ من الحماس وروح المبادرة والرغبة في الابتكار. غير أنّ هذه الآمال تظلّ معلّقة بقدرة هذا الفريق الجديد على تجاوز أنماط الإدارة الموروثة، وصياغة علاقة مختلفة مع المواطن تقوم على القرب والإنصات، لا على العزلة وتكرار الأساليب القديمة.
ويعلّق المواطنون آمالًا إضافية على أن تكون هذه العودة مقرونة بمراجعة حقيقية لطريقة إدارة الشأن العام وطبيعة العلاقة مع الناس. فسنوات النزوح القسري لم تكن مجرّد انتقال مكاني، بل شكّلت — لكثير من المسؤولين على اختلاف مواقعهم — تجربة معيشة وإدارية في بيئات متعدّدة، اطّلعوا خلالها على أساليب عمل أكثر انفتاحًا، وقنوات تواصل أكثر مباشرة بين الدولة والمجتمع. ويبقى السؤال الجوهري: هل تعود الحكومة إلى الخرطوم بذات الأدوات القديمة، أم تحمل معها دروس التجربة واستعدادًا جديدًا للإصغاء؟
في الدول السوية، لا يحتاج المواطن إلى وسطاء ليُسمِع صوته للحكومة؛ إذ توجد قنوات واضحة، ومؤسسات تمثيلية، ومسؤولون معروفون يمكن الوصول إليهم. أمّا في واقعنا، فإن السؤال البسيط: كيف نوصل أصواتنا إلى الحكومة؟ يكاد يتحوّل إلى معضلة سياسية وإدارية عميقة.
ففي كلِّ مساءٍ وصباح، تمتلئ الصحف الإلكترونية والورقية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، بمئات الرسائل وعرض الحالات، من شكاوى وبلاغات، فضلًا عن نصائح مهنية يكتبها مواطنون مستبصرون، تحمل استشارات وإشارات بالغة الأهمية. ولو أن المسؤولين التقطوا بعضًا من هذه الآراء والخلاصات لانتفعوا بها وأفادوا الناس. غير أنّ الواقع يكشف أنّ كثيرًا منهم إمّا لا يكترث أصلًا، أو يردّ بتعالٍ من قبيل: «هل أنتم أدرى بالشأن منا؟»، أو لا يجد وقتًا للقراءة، فضلًا عن التفاعل أو الرد.
غير أنّ المشكلة لا تكمن فقط في ضعف الاستجابة، بل في انقطاع الصلة أصلًا. فالحكام لا يظهرون في الفضاء العام، ولا يعرف المواطن لهم عنوانًا واضحًا، ولا رقم هاتف، ولا بريدًا إلكترونيًا، ولا حتى منصة رسمية للتواصل. لا مؤتمرات صحفية منتظمة، ولا لقاءات مفتوحة، ولا مساءلة مباشرة. الحاكم موجود نظريًا، لكنه غائب عمليًا.
ولم يعد المواطن يرى المسؤولين إلا عبر شاشات التلفزيون، وكأنهم شخصيات بعيدة لا تعيش بين الناس. وحتى حين يمرّون في الشوارع، لا يُرى منهم شيء؛ فهم دائمًا في رتل من سيارات ضخمة، «رافعين القزاز»، تسبقهم وتحيط بهم سيارات النجدة والشرطة، وأحيانًا جنود مدججون بالسلاح، في مشهد يوحي بأن المسؤول في مهمة أمنية ضد المواطنين، لا في طريقه لخدمتهم.
وبين المواطن والحاكم تقف بيروقراطية كثيفة، لا تؤدي دور التنظيم والخدمة، بل تمارس دور الحجب والمنع. مدير المكتب، سكرتارية المكتب، والحلقة الأمنية المحيطة، لا تعمل كجسر تواصل، بل كحائط صد. الرسائل لا تصل، والشكاوى لا تُقرأ، والمطالب تضيع في الأدراج أو تُعاد بصيغة «قيد النظر» التي لا تنتهي.
وفوق ذلك، تفتقر الإدارات الحكومية إلى أبسط أدوات التواصل؛ فلا هواتف مخصّصة للاستعلام، ولا مواقع إلكترونية فاعلة، ولا حضور حقيقي على وسائل التواصل الاجتماعي. وحتى الجهات التي تملك هذه الوسائل نادرًا ما تستجيب، وإن فعلت فلا تقدّم جوابًا نافعًا، بل تحيل المواطن مجددًا إلى مراجعة المكاتب، ليعود الدوران في الحلقة نفسها.
لقد تكرّرت في الماضي الوعود بتطبيق مشروع الحكومة الإلكترونية، لكنها بقيت في حدود الإعلان أكثر من التنفيذ، لتتحوّل إلى فرصة مهدرة. فقد جرى تقديمها بوصفها أداة لكسر الحواجز، وتبسيط الإجراءات، وفتح قنوات مباشرة بين المواطن والدولة، غير أنّ الواقع لم يتغيّر، وبقي المواطن أسير المكاتب والطوابير والأختام، بينما ازدادت البيروقراطية تعقيدًا بدل أن تنحسر. واليوم، مع التقدّم الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وما أتاحته من حلول رقمية سهلة وقليلة الكلفة، تبدو الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى للانتقال من الوعود إلى الفعل، ومن الشعارات إلى خدمة عامة حديثة تستعيد ثقة المواطن وتقرّب الدولة من الناس.
والأخطر من ذلك أن البيروقراطية لا تكتفي بالمنع، بل تمارس السمسرة السياسية والإدارية. من يصل صوته هو من يملك واسطة أو نفوذًا، لا من يملك حقًا مشروعًا. وهكذا تتحوّل الدولة من مؤسسة عامة إلى شبكة مغلقة تُدار بالعلاقات لا بالقوانين.
وفي ظل غياب برلمان شعبي حقيقي، تتضاعف الأزمة. فالبرلمان، في الأصل، هو القناة الطبيعية التي تنقل صوت الشارع إلى قمة السلطة، وتراقب الحكومة، وتفرض الشفافية. لكن حين يغيب البرلمان أو يتحوّل إلى هيئة شكلية، يفقد المواطن آخر وسيلة مؤسسية للتعبير والمساءلة.
النتيجة معروفة: غضب صامت، احتقان اجتماعي، وفجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع. وحين تُغلق كل الأبواب الرسمية، يبحث الناس عن بدائل غير رسمية، وقد تكون مكلفة على الاستقرار والسلم الاجتماعي.
إن الحكم الرشيد لا يُبنى على الحراسة ولا على العزل، بل على التواصل الحيّ بين الحكومة والمجتمع. ولا تُقاس هيبة الدولة بكثرة الحواجز البيروقراطية، ولا بتواري المسؤول أو صعوبة الوصول إليه، وإنما تُقاس بقدرتها على الإنصات لمواطنيها، واستيعاب آرائهم ومقترحاتهم، وتحويلها إلى سياسات نافعة. وأي سلطة تصمّ آذانها في أوقات السلم، ستُجبر يومًا ما على السماع في أوقات الغضب.
لم يعد السؤال: كيف نُوصل أصواتنا؟
بل أصبح: هل تمتلك الدولة الشجاعة الكافية لفتح آذانها؟








