رأي

الفاتح داؤد يكتب :معادلة الأمن والوجود الأجنبي بالقضارف: مجهودات تنظيمية وتحديات عابرة للحدود

يمثل ملف الوجود الأجنبي وأحدا أكثر الملفات تعقيدًا،على طاولة الحكومة في المرحلة الراهنة،خاصة بعد التحديات الأمنية التي أفرزتها الحرب، وما صاحبها من تحولات استراتجية في الحركة عبر الشريط الحدودي. بحكم موقعها الجغرافي وتداخلها الحدودي المفتوح،مع الجارتين إثيوبيا وإريتريا،أصبحت ولاية القضارف،تشكل أحد أهم نقاط العبور للمجموعات المتسللة عبرة الحدود بصورة يومية،ويغذي ذلك النشاط المتزايد لشبكات تهريب البشر العابرة للحدود،ما يضع السلطات الأمنية،أمام اختبار صعب للموازنة،بين متطلوبات الأمن القومي والالتزامات الإنسانية.
وتأتي خطورة ملف الوجود الأجنبي،من خلال التقارير التي أشارت، إلى تورط بعض الأجانب في القتال إلى جانب المليشيات،وهو ما أعاد طرح ملف الوجود الأجنبي،بقوة من خلال زاوية أمنية بحتة،بعد أن ظلت لسنوات يدار في إطار إنساني واخلاقي.
يفرض هذا التحول على حكومة ولاية القضارف،تبني حزمة من الإجراءات التنظيمية والرقابية، لإعادة ضبط المشهد الأجنبي ومنع أي اختراقات محتملة.
وفي هذا السياق، اتخذت حكومة القضارف ممثلة،في لجنة ضبط الوجود الأجنبي،خطوات عملية وجادة للتعاطي مع الملف،تمثلت في إنشاء محكمة مختصة ،للنظر في قضايا الأجانب المخالفين،إلى جانب تأسيس مركز إيواء مؤقت لتجميع الاجانب،حتي توفيق أوضاعهم القانونية. كما كشفت اللجنة عن اعتماد نظام“الرقم الأجنبي” ك آلية، لضبط البيانات وتعزيز الحماية الرقمية للهوية الوطنية،بما يقلل من فرص التلاعب والتزويرفي الوثائق، ويُسهم في بناء قاعدة معلومات دقيقة،تمكن الحكومة من الاعتماد عليها،في التخطيط ورسم السياسيات واتخاذ القرار.
ولم تقتصر جهود حكومة القضارف على الجانب الإداري، بل امتدت إلى تعزيز الضبط الميداني،عبر تكثيف حملات الحصر والتسجيل الميداني،التي تنفذها شرطة الجوازات، لإحكام الرقابة على حركة الأجانب داخل حدود الولاية.
كما جرى تشكيل ثلاث لجان متخصصة قانونية، مالية،وفنية، بهدف رفع كفاءة التنسيق بين الجهات المختلفة،لضمان متابعة دقيقة لتطورات الملف.
غير أن هذه التدابير، على أهميتها،ربما تصطدم بجملة من التحديات الواقعية. في مقدمتها وجود معسكرات اللاجئين في القضارف، التي لا تخضع لرقابة صارمة، مما يفتح الباب أمام تسلل بعض اللاجئين إلى المدن، دون استكمال الإجراءات القانونية.كما يبرز ملف العمالة الموسمية الإثيوبية، ك إحد اهم القضايا الشائكة،حيث يتم استجلاب أعداد كبيرة منها للعمل في المشاريع الزراعية، لكن ضعف آليات المتابعة، يؤدي إلى بقاء أعداد منهم خارج الإطار القانوني، وانتقالهم إلى المناطق الحضرية.
إلى جانب ذلك، تواجه السلطات عقبات لوجستية وفنية،تتعلق بضعف الإمكانيات، واتساع الرقعة الجغرافية، وتشعب مسارات التهريب، ما يجعل من السيطرة الكاملة على الحدود أمرًا بالغ الصعوبة.وهو ما يستدعي تعزيز التعاون مع دول الجوار،وتفعيل آليات التنسيق الامني الإقليمي،باعتبار القضية تتجاوز حدود الولاية الي التاثير في الامن القومي الدولة.
ورغم هذه التحديات، تظل أهمية المشروع في تحقيق التوازن، بين المطلوبات الأمنية والاعتبارات الإنسانية، إذ لا يمكن التعامل مع الوجود الأجنبي بمنطق أمني صرف، دون مراعاة حقوق الأفراد وظروفهم الإنسانية، خاصة في ظل الأزمات الإنسانية والحروب التي ظلت تعصف بدول القرن الإفريقي. ومن هنا، فإن نجاح هذه السياسات مرهون بقدرة الحكومة على تطوير أدواتها، وتحديث بنيتها المؤسسية،والانفتاح على الشراكات الدولية التي تدعم جهود الإدارة المتكاملة للهجرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى