رأي

القضارف تتحدي الوصمة الاجتماعية : (629) حالة اعتداء تحت مجهر وزارة الرعاية الاجتماعية…

القضارف تتحدي الوصمة الاجتماعية : (629) حالة اعتداء تحت مجهر وزارة الرعاية الاجتماعية…

 

كتب :الفاتح داؤد

 

في اثناء الحروب لا تُقاس الخسائر بعدد القتلى ودمار البني التحتية،بل أيضاً بحجم الندوب النفسية الصامتة، التي تُترك في أرواح النساء والأطفال جراح غائرة،فالحرب التي اجتاحت السودان لم تُنتج فقط أزمة أمنية وإنسانية، بل خلّفت واحداً من أعقد ملفات الانتهاكات الاجتماعية والإنسانية،حيث أصبحت النساء في قلب دائرة الاستهداف والانتهاك، بين عنف مباشر، وتشريد، وفقدان للحماية، وانهيار للمنظومات الاجتماعية والخدمية.

 

وفي هذا السياق، رسمت آسيا عبدالرحمن حسين،المديرالعام لوزارة الرعاية الاجتماعية بولاية القضارف،صورة قاتمة الظلال لحجم التحديات، التي تواجه وزارتها في ادارة ملف الانتهاكات ضد النساء خلال الحرب،كاشفة عن جملة من التعقيدات المتشابكة التي تجعل التعامل مع هذا الملف بالغ الحساسية؛ بسبب التقاطعات القانونية والاجتماعية والإنسانية،وضعف عمليات التمويل، وارتباط كثير من برامج الدعم بالمانحين،فضلاً عن تأثير العادات والتقاليد الاجتماعية، التي كثيراً ما تدفع الضحايا إلى الصمت، خوفاً من “الوصمة” المجتمعية.

 

ورغم هذه التحديات استطاعت ولاية ولاية القضارف، أن تحقق اختراقات مهمة مقارنة بعدد من الولايات الأخرى،من خلال بناءها لآليات أكثر مرونة للتعامل مع حالات العنف والانتهاكات، مستفيدة من شبكة الشراكات المجتمعية المساحات الآمنة للنساء، وفكرة “الكورنر” كواجهات أكثر آمانا وخصوصية،لاستقبال حالات العنف والانتهاكات،والتعامل معها بسرية وإنسانية.

 

وكشفت الأرقام الرسمية التي أعلنتها الجهات المختصة في وزارة الرعاية الاجتماعية، عن رصد “629”حالة اعتداء وسط النساء النازحات الي ولاية القضارف، وهو رقم لايمثل الا راس جبل الجليد،لأن كثيراً من الحالات لا تصل إلى الجهات المختصة، بسبب الخوف أو النزوح أو غياب الوعي أو القيود الاجتماعية.

وتتنوع أشكال الانتهاكات التي تعرضت لها النساء خلال الحرب،بين العنف الجسدي، والاعتداءات الجنسية، والعنف النفسي، والزواج القسري، والاستغلال الاقتصادي، والحرمان من الخدمات الأساسية، بجانب حالات الابتزاز والانتهاكات المرتبطة بالنزوح وفقدان الحماية الأسرية. كما تعاني كثير من النساء من آثار نفسية عميقة، نتيجة فقدان الأزواج والأبناء أو مشاهدة مشاهد القتل والعنف، ما يجعل الأزمة ممتدة إلى ما بعد توقف الحرب نفسها.

 

وفي مواجهة هذا الواقع، خصصت وزارة الرعاية الاجتماعية بالقضارف،عدد “47” مساحة آمنة في عدد من محليات الولاية، لتقديم التوعية والدعم النفسي والمهارات الحياتية للنساء، في محاولة منها لتوفير بيئة آمنة لحماية الضحايا ومساعدتهن على استعادة التوازن النفسي والاجتماعي. وتمثل هذه المساحات خطوة مهمة، لأنها تنقل التعامل مع الضحايا من إطار الخوف والصمت، إلى فضاء الحماية والاستماع والتأهيل.

 

كما نجحت ولاية القضارف في إنشاء مركز علاجي متكامل داخل مستشفى النساء والتوليد، لتقديم الخدمات الطبية والدعم النفسي والقانوني للنساء المعنفات، وهي خطوة تعكس تحولاً مهماً في فلسفة التعامل مع الضحايا، عبر توفير خدمات متكاملة في مكان واحد، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويقلل من معاناة التنقل بين المؤسسات.

ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، إذ اكتملت الترتيبات لإنشاء مركز الخدمات الموحد للناجين من العنف، والذي سيقدم خدمات الدعم النفسي والقانوني وإعادة الإدماج الاجتماعي، وهي واحدة من أكثر المراحل أهمية، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معالجة آثار الانتهاك، بل في إعادة بناء حياة الضحايا وتمكينهن من العودة إلى المجتمع دون خوف أو عزلة.

 

لقد أثبتت تجربة القضارف أن الإرادة المؤسسية يمكن أن تصنع فرقاً حتى في أكثر الظروف تعقيداً، وأن حماية النساء ليست ترفاً إنسانياً، بل جزء أصيل من معركة استقرار المجتمع نفسه. فكل امرأة تُنقذ من دائرة العنف، هي أسرة تُحمى، ومجتمع يُستعاد، ومستقبل يُصان.

 

لكن مع ذلك، فإن استمرار هذه الجهود يتطلب دعماً أكبر من الدولة والمجتمع والمنظمات الدولية، لأن ملف الانتهاكات ضد النساء لا يمكن التعامل معه بمنطق ردود الأفعال المؤقتة، بل يحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى تقوم على الحماية، والعدالة، والتأهيل، وكسر حاجز الصمت المجتمعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى