حسن جعفر محجوب يكتب : خصخصة التعليم الصامتة.. حين يصبح العلم لمن استطاع إليه سبيلاً !

يواجه السودان اليوم تحولاً بنيوياً صامتاً في أحد أهم ركائز استقراره القومي، وهو التعليم. فبينما كانت المدارس الحكومية هي (المصهر) الذي تذوب فيه الفوارق الطبقية والقبلية، نشهد الآن تراجعاً مخيفاً لهذا الدور، مقابل تنامٍ سرطاني للمدارس الخاصة التي باتت تنتشر بكثافة غير مسبوقة، لتعلن عن بزوغ عصر (الخصخصة القسرية) للوعي.
إن إضعاف المؤسسة التعليمية الحكومية ليس مجرد نتيجة لظروف اقتصادية عابرة، بل هو مؤشر على تراجع الدولة عن دورها الرعائي.
إن تعمد إهمال البنية التحتية للمدرسة الحكومية، وتجاهل حقوق القائمين عليها، قد حولها من منارة للعلم إلى بيئة طاردة تفتقر لأبسط المقومات الإنسانية والتربوية. فعندما تغيب الوسيلة التعليمية، ويتهالك المبنى، ويُهمش المعلم، يصبح (الإخلاء القسري) للمدرسة الحكومية من كوادرها النابغة أمراً واقعاً، مما يدفع المواطن مرغماً نحو خيار التعليم الخاص.
وهنا أود أن أوضح؛ أنني لا أرفض التعليم الخاص بالمجمل، فلطالما كانت لهذا القطاع إسهاماته المقدرة كشريك أصيل في البناء. بيد أن تحفظي الجوهري يكمن في أن هذا النمو يجب ألا يكون أبداً على حساب التعليم الحكومي، ولا ينبغي أن يكون ازدهاره نتاجاً لتجفيف منابع المدرسة الحكومية أو إهمالها المتعمد لتصبح عاجزة عن المنافسة.
هذا الفراغ الذي خلقه التهميش، هو الذي هيأ التربة لنشوء غابة من المدارس الخاصة التي لم تعد تأتي كـ(مكمل) بل كـ(بديل) باهظ الثمن لمؤسسة حكومية تُركت تواجه مصيرها وحيداً. والأنكى من ذلك، أن هذا الانتشار لم يلتزم في كثير من الأحيان بالمعايير التربوية أو الهندسية المطلوبة؛ حيث تحول الأمر إلى فوضى عقارية، فأصبح كل من يملك منزلاً يحوله بليلٍ إلى مدرسة خاصة تفتقر لأدنى مقومات البيئة التعليمية، وسط سوق سوداء للتراخيص التي باتت تُباع وتُشترى بعيداً عن الرقابة الحقيقية والجودة المنشودة.
إن انتشار هذه المدارس على أنقاض المدارس الحكومية يعني ببساطة أن التعليم بدأ يفقد صبغته كخدمة وطنية مجانية ليتحول إلى مشاريع للاستثمار، حيث أصبحت الجودة التعليمية مرتبطة طردياً بحجم ما يدفعه ولي الأمر، مما حوّل قاعات الدرس إلى منصات للعرض والطلب، لا مكاناً لبناء العقول الوطنية الموحدة.
والأدهى والأمر في هذا الواقع المشوه، أن التعليم الخاص لم يعد حصراً على الميسورين فحسب؛ بل إن الطبقات الضعيفة والكادحة باتت اليوم تكابد وتقتطع من لحمها الحي ومن قوت يومها لتلحق أبناءها بالتعليم الخاص، لا حباً في الترف، بل هرباً من واقع التعليم الحكومي المتهالك. لقد أصبح الأب البسيط يرى في الرسوم الباهظة ضريبة اضطرارية لحماية مستقبل أبنائه، مما يزيد من إرهاق كاهل الأسر السودانية المنهكة أصلاً بالفقر والديون.
هذا المسار يغتال مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل، ويخلق هوة سحيقة بين مكونات المجتمع السوداني، ستدفع ضريبتها البلاد مستقبلاً في شكل صراعات طبقية وفوارق معرفية لا يمكن ردمها. إن استمرار تنامي التعليم الخاص على حساب إضعاف التعليم الحكومي هو انتحار استراتيجي؛ فالتعليم ليس تجارة، والمعرفة لا ينبغي أن تخضع لقوانين السوق.
إن صرخة التحذير التي نطلقها اليوم هي دفاع عن حق كل طفل سوداني في تعليم يحترم إنسانيته، ومن هنا نبرق لمتخذ القرار في دولتنا برسائل واضحة:
الرسالة الأولى: إن قوة الأوطان لا تُقاس بضخامة المباني الاستثمارية، بل بمدى قوة مدارسها الحكومية وقدرتها على استيعاب النابغين من أبناء الغبش والبسطاء.
الرسالة الثانية: إن تأهيل المدرسة الحكومية ودعم استقرارها هما خط الدفاع الأول عن أمننا القومي؛ فالدولة التي تترك عقول أبنائها لقمة سائغة لـسوق التعليم هي دولة تفرط في مستقبلها طواعية.
الرسالة الثالثة: إن إصلاح التعليم يبدأ من القرار السياسي الشجاع الذي يعيد للمدرسة الحكومية هيبتها وجاذبيتها، ويضبط فوضى تجارة التراخيص التي أفسدت المعايير التربوية.
ختاماً…
هل تدرك الدولة أننا أمام منعطف تاريخي، إما أن نستعيد فيه المدرسة الوطنية الجامعة لتكون قاطرة للنهضة والعدالة، أم سنترك بساط المعرفة يُسحب من تحت أقدام التعليم الحكومي لصالح بورصة المدارس الخاصة؟ التاريخ لن يرحم من فرط في كراسة التلميذ، والوطن لن ينهض بنظام تعليمي يتحول إلى امتياز يُشترى بالمال، بينما يغرق البقية في لُجج الجهل القسري.








