رأي

عبد الله خلف الله عبد الله يكتب : الاتفاق الأمريكي – الإيراني وتحولات الشرق الأوسط: هل نحن أمام نظام إقليمي جديد؟ وما موقع السودان في خارطة المتغيرات القادمة؟

في عالم السياسة الدولية لا توجد أحداث معزولة، ولا اتفاقيات تنحصر آثارها داخل حدود أطرافها المباشرين. ولذلك فإن الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والذي تم بوساطة دبلوماسية قادتها قطر وباكستان، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تفاهم ثنائي يهدف إلى خفض التوتر أو معالجة ملف نووي معقد، بل يمثل مؤشراً على بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط.

لقد شهدت المنطقة خلال العقدين الماضيين سلسلة من الحروب والصراعات والأزمات التي ارتبط معظمها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتوتر الأمريكي – الإيراني. فمن العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى الخليج العربي، ظل هذا الصراع أحد أهم المحركات المؤثرة في السياسات والتحالفات الإقليمية والدولية.

واليوم، ومع ظهور بوادر تفاهم بين واشنطن وطهران، يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل نحن أمام تحول حقيقي يعيد رسم المشهد الإقليمي، أم مجرد هدنة مؤقتة فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة؟

إسرائيل أمام واقع استراتيجي مختلف

تبدو إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً من هذا التحول. فعلى مدى سنوات طويلة شكلت إيران حجر الزاوية في العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، واستندت العديد من التحالفات الإقليمية إلى فكرة مواجهة “التهديد الإيراني”. كما نجحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في إبقاء الملف الإيراني في صدارة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

لكن نجاح واشنطن في إعادة فتح قنوات التفاوض مع طهران يضع إسرائيل أمام معادلة جديدة لم تكن تفضلها. فالدبلوماسية بطبيعتها تقلل فرص المواجهة العسكرية وتدفع نحو إدارة الصراعات بدلاً من تفجيرها.

ومن هنا يمكن فهم حالة التحفظ والقلق داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية. فكلما اقتربت الولايات المتحدة وإيران من تفاهمات مستقرة، تراجعت قدرة إسرائيل على استخدام الملف الإيراني كوسيلة لحشد الدعم الدولي أو تبرير سياسات التصعيد.

وقد ينعكس ذلك بصورة مباشرة على مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو التي تواجه بالفعل تحديات داخلية تتعلق بالأمن والاقتصاد والانقسامات السياسية، فضلاً عن تنامي التساؤلات حول مستقبل الدور الإسرائيلي في بيئة إقليمية تتجه تدريجياً نحو التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات.

الخليج… الرابح الأكبر من التهدئة

في المقابل، تبدو دول الخليج العربي من أكبر المستفيدين من هذا الاتفاق. فاقتصادات المنطقة تعتمد بصورة كبيرة على الاستقرار الإقليمي وأمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن تكلفة التوترات الإقليمية لا تقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل تمتد إلى التجارة والاستثمار والتأمين والشحن والطاقة. ولذلك فإن أي تقارب بين واشنطن وطهران يمثل مكسباً مباشراً لدول الخليج التي تسعى إلى تنفيذ مشاريع تنموية ضخمة وتنويع اقتصاداتها بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط.

كما أن نجاح الوساطة القطرية والباكستانية يعكس تطوراً مهماً في مفهوم النفوذ الإقليمي، حيث أصبحت الدبلوماسية والحوار والقدرة على بناء الجسور أدوات مؤثرة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو الاقتصادية.

ومن المرجح أن تركز دول الخليج خلال المرحلة المقبلة بصورة أكبر على ملفات التنمية والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والبنية التحتية، مستفيدة من انخفاض مستويات المخاطر السياسية والأمنية في المنطقة.

السودان… الحرب المنسية التي قد تعود إلى واجهة الاهتمام الدولي

بعيداً عن العواصم الكبرى، يبرز السودان كإحدى الساحات التي قد تتأثر بصورة غير مباشرة بهذه التحولات.

فالحرب السودانية لم تعد منذ وقت طويل مجرد نزاع داخلي، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من المصالح والتنافسات الإقليمية والدولية. وقد ساهم تعدد الأطراف المتدخلة وتضارب المصالح الخارجية في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية شاملة.

ومع تراجع حدة التوتر في الملفات الكبرى بالشرق الأوسط، قد تجد القوى الدولية والإقليمية مساحة أكبر لإعادة توجيه اهتمامها نحو السودان، خاصة في ظل الكارثة الإنسانية والاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها ملايين السودانيين.

كما أن أي توافقات إقليمية أوسع قد تؤدي إلى زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية على جميع الأطراف المرتبطة باستمرار الحرب، الأمر الذي قد يخلق بيئة أكثر ملاءمة لوقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية جادة تفضي إلى استعادة الاستقرار وبناء الدولة.

الاقتصاد السوداني بين الدمار وفرصة النهوض

تكبد السودان خسائر اقتصادية هائلة نتيجة الحرب، شملت البنية التحتية والقطاع الصناعي والزراعي والخدمي، فضلاً عن تراجع الإنتاج والاستثمار ونزوح ملايين المواطنين.

ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن الدول الخارجة من الحروب يمكن أن تتحول إلى قصص نجاح إذا توافرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية والإدارة الرشيدة.

فالسودان يمتلك موارد طبيعية ضخمة وأراضي زراعية واسعة وثروات معدنية وبشرية تؤهله ليكون أحد أهم الاقتصادات الصاعدة في المنطقة. كما أن قطاعات الزراعة والصناعات الدوائية والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية يمكن أن تشكل محركات رئيسية للنمو خلال مرحلة إعادة الإعمار.

وفي حال استقرار البيئة الإقليمية وانخفاض مستويات الصراع في الشرق الأوسط، فإن السودان قد يجد فرصة تاريخية لجذب الاستثمارات والشراكات الدولية اللازمة لإعادة بناء اقتصاده ومؤسساته.

دروس الصمود وإرادة الشعوب

لقد تابع السودانيون خلال السنوات الأخيرة تجارب دول واجهت ضغوطاً وتحديات خارجية هائلة، ومن بينها التجربة الإيرانية التي أظهرت قدرة كبيرة على الصمود والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة رغم العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية الممتدة لعقود.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياسات الدول المختلفة، فإن أحد أهم الدروس المستفادة يتمثل في أن الشعوب التي تحافظ على وحدتها الوطنية ومؤسساتها السيادية تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وحماية مستقبلها.

وفي الحالة السودانية، كشفت الحرب عن حقيقة جوهرية مفادها أن قوة الدولة لا تقاس فقط بالإمكانات المادية، بل أيضاً بقدرة مؤسساتها الوطنية على الصمود في مواجهة التحديات الوجودية. وقد برزت القوات المسلحة السودانية، في نظر قطاعات واسعة من المواطنين، باعتبارها صمام الأمان لوحدة البلاد واستقرارها واستمرار مؤسسات الدولة.

كما أظهر الشعب السوداني قدراً كبيراً من التماسك الوطني في مواجهة مخاطر التفكك والانقسام، ورفض مشاريع التشظي والتقسيم، الأمر الذي ساهم في الحفاظ على وحدة الصف الوطني رغم حجم المعاناة والتحديات.

وقد أثبتت التجربة أن إرادة الشعوب قادرة على إفشال العديد من المخططات التي تستهدف الدول من الداخل أو الخارج عندما تتوفر وحدة الهدف والوعي الوطني والإيمان بالمستقبل.

تهارقا… رمز التاريخ ورسالة المستقبل

واليوم، وبينما يواجه السودان واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، يستلهم السودانيون من تاريخهم العريق روح الملك تهارقا، أحد أعظم ملوك الحضارة الكوشية، الذي جسد معاني القوة والسيادة والاستقلال والقدرة على مواجهة التحديات.

فلم يكن تهارقا مجرد ملك في صفحات التاريخ، بل أصبح رمزاً وطنياً يعبر عن الإرادة السودانية التي رفضت الخضوع عبر العصور، وعن حضارة استطاعت أن تترك بصمتها في التاريخ الإنساني.

وكما استطاع الأجداد بناء دولة قوية ومؤثرة في محيطها الإقليمي، فإن الأجيال الحالية تمتلك القدرة على إعادة بناء السودان الحديث على أسس الوحدة والاستقرار والتنمية والعدالة.

نحو شرق أوسط جديد

ربما يكون من المبكر الحديث عن نهاية الصراعات في الشرق الأوسط، لكن المؤكد أن المنطقة تشهد بداية مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقدين الماضيين.

فالتحولات الجارية تشير إلى انتقال تدريجي من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق إدارة المصالح، ومن الصراعات المفتوحة إلى التنافس الاقتصادي والتنمية والاستثمار.

وإذا نجحت الأطراف الإقليمية والدولية في ترسيخ هذه التوجهات، فقد نشهد خلال السنوات القادمة نظاماً إقليمياً أكثر استقراراً وتوازناً، تتراجع فيه لغة الصراع لصالح لغة المصالح المشتركة.

أما السودان، فرغم الجراح العميقة التي خلفتها الحرب، فإنه يمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من هذه المتغيرات. فبوحدة شعبه، وقوة مؤسساته الوطنية، واستلهامه لإرثه الحضاري الممتد من ممالك كوش وتهارقا إلى الدولة السودانية الحديثة، يستطيع أن يحول تحديات الحاضر إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً وسيادة.

وفي نهاية المطاف، لا تصنع الاتفاقات الدولية السلام وحدها، بل تصنعه الشعوب عندما تؤمن بوحدتها، وتتمسك بمؤسساتها الوطنية، وتقرر أن المستقبل تصنعه الارادة و إعداد القوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى