رأي

الفاتح داؤد يكتب :بين أجندة المانحين وغياب الاستراتيجية. هل تحولت معسكرات “اللاجئين” بولاية القضارف:الي اعباء أمنية وبيئية خطيرة

في وارد اخبار القضارف ان وفدا من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين،قد بحث مع حكومة الولاية حزمة من المقترحات المتعلقة بتقديم الخدمات للاجئين والمجتمعات المستضيفة على حد سواء.
حسناً ادركت المفوضية السامية وحكومة الولاية، أن هناك “مجتمعات مستضيفة” قد تضررت بشكل مباشر من تبعات اللجوء؛ إذ تسببت الفجوة الكبيرة بين المؤسسات الحكومية المعنية بالملف ومعتمدية اللاجئين في عجز هذه المجتمعات عن الوصول إلى الخدمات الأساسية التي تكفلها لها الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
بلاشك فقد ساهم عدم استقرار الاوضاع السياسية في السودان في غياب استراتيجية وطنية واضحة ،للتعامل مع ملف اللجوء،الامر الذي أغرى المنظمات الدولية بالعمل وفق “مشاريع وسياسات” يحددها المانحون، تماشياً مع أجندتهم السياسية فقط، وبعيداً عن خارطة احتياجات مؤسسات الدولة السودانية التي باتت تعمل للاسف وفق سياسة “رزق اليوم”.مع ملف حساس يصنف ضمن ملفات الامن القومي.
كل هذا يحدث في وقت لا يزال يأوي السودان فيه ــ برغم ظروف الحرب ــ أكثر من (1,300,000) لاجئ وفقاً لآخر الأرقام المحدثة.
ومن الواضح أن مفوضية اللاجئين تحاول العمل وفق معادلة توازن بين احتياجات المعسكرات ومتطلبات المجتمعات المستضيفة، وهو ما تُرجم في بعض المشاريع التنموية والخدمية التي نفذتها منظمات إنسانية بالشراكة مع حكومة الولاية. ومع ذلك، يبدو أن غياب قاعدة البيانات وخارطة الاحتياجات الدقيقة ــ التي تحدد طبيعة الأنشطة وحجم التمويل المطلوب ــ قد أدى إلى عزوف المنظمات الدولية عن تمويل مشروعات حيوية في تلك المجتمعات.
إن بناء شراكة منتجة بين المجتمع المستضيف والمنظمات الدولية بات أمراً حتمياً لضمان استدامة الخدمات، لكنه يصطدم بتحديات معقدة؛ أبرزها صعوبة استقطاب أموال المانحين في ظل موجات اللجوء المتزايدة عالمياً، وانشغال حكومات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأزمات ومناطق أخرى في العالم. يضاف إلى ذلك بطء استجابة المفوضية السامية في الوفاء بالتزاماتها القانونية، مما أدى إلى تسرب الآلاف من اللاجئين من مراكز الاستقبال المؤقتة والمعسكرات الدائمة نحو المدن القريبة واختلاطهم بالمواطنين، الأمر الذي شكل ضغطاً هائلاً على الخدمات الشحيحة أصلاً، لا سيما في قطاعي الصحة والمياه.
أمام هذا الواقع، يجب على حكومة الولاية أن تشدد في تحميل معتمدية اللاجئين المسؤولية الكاملة عن الخروقات القانونية وعدم الالتزام بالمعاهدات الدولية التي تحمي اللاجئ والمجتمع المستضيف معاً؛ إذ إن ضعف استجابة المفوضية السامية لقضايا المجتمعات المحلية التي تتحمل العبء الأكبر، أسفر عن تبعات سالبة خطيرة؛ شملت انتشار الجريمة المنظمة، وتنامي نشاط شبكات التهريب، والاتجار بالبشر والمخدرات.
هذه القضايا يجب أن تظل حاضرة في أجندة حكومة ولاية القضارف. ورغم أن وفود المفوضية السامية زارت الولاية مراراً والتقت بقادة اللاجئين والمسؤولين، إلا أن تلك الزيارات لم تُحدث اختراقاً ملموساً لصالح حقوق المواطنين. بل تشير بعض التقارير إلى وجود رغبة لدى الاتحاد الأوروبي لتحويل شرق السودان إلى “دار إيواء” للمهاجرين من كافة دول القرن الإفريقي، وهو مخطط يمر في ظل عجز وصمت معتمدية اللاجئين وغياب رؤيتها الاستراتيجية.
لقد تسبب هذا الصمت في تفاقم الانتهاكات؛ حيث استبيحت الموارد الطبيعية، وتم الاعتداء على مصادر المياه، والتغول على عمق المشاريع الزراعية، فضلاً عن القطع الجائر للغابات حول المعسكرات نتيجة انعدام بدائل الطاقة، مما ينذر بكارثة بيئية وشيكة. وتتضاعف الأزمة مع غياب أجهزة الدولة المعنية عن الرقابة والمتابعة، وعدم ممارسة ضغوط حقيقية على المفوضية السامية للوفاء بالتزاماتها بعد انتهاء “فترة الطوارئ”. وكان المفترض أن تعقب هذه الفترة مرحلة لتكييف الأوضاع بالمعسكرات، واكمال البنى التحتية فب الصحة والتعليم والطرق، وتقديم مشروعات تنموية تتناسب مع حجم اللجوء، وهو ما لم يحدث حتى الان،و بات هذا الوجود للاسف يشكل خطراً حقيقياً على الأمن المجتمعي.
ويطالب خبراء قانونيون بضرورة اتخاذ حكومة الولاية لخطوات حاسمة، تقييد حركة اللاجئين، إغلاق المعسكرات أمام دخول المواطنين ،عبر تفعيل قوانين اللجوء ومواكبة مفاهيم الهجرة الحديثة، إلزام المفوضية السامية بتنفيذ برامج إعادة إعمار المناطق المتأثرة، والأهم من ذلك يجب أن تتخذ الحكومة السودانية مواقف سياسية قوية وحازمة تُرغم المفوضية على تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه اللاجئين والمجتمع السوداني المستضيف على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى