رأي

بروفيسور بكري موسى عبد الكريم يكتب الحلف السعودي–التركي–الباكستاني: ماذا يعني للسودان؟

شهدت مدينة مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026 توقيع اتفاق للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. وينص الاتفاق على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. ومن هذه الناحية، يشبه الاتفاق المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، وإن كان من المبكر وضعه في مرتبة حلف الناتو من حيث المؤسسات والقدرات وآليات التنفيذ.

ولا تأتي أهمية الاتفاق من مضمونه العسكري وحده، بل من طبيعة الدول التي وقّعت عليه. فالسعودية تتمتع بثقل اقتصادي وسياسي كبير، وتركيا تمتلك جيشاً قوياً وصناعات دفاعية متقدمة، بينما تتميز باكستان بخبرتها العسكرية الواسعة وامتلاكها السلاح النووي. وبذلك يجمع الاتفاق بين المال والنفوذ السياسي والتكنولوجيا العسكرية والقوة البشرية والقدرة على الردع.

وقد أكدت الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف إيران أو أية دولة أخرى. ومع ذلك، لا يمكن فصل ظهوره عن حالة القلق التي تسود منطقة الشرق الأوسط بسبب استمرار الحروب، وتصاعد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد الملاحة البحرية، وتراجع الثقة في قدرة الترتيبات الأمنية القائمة على حماية دول المنطقة. ومن ثم يعكس الاتفاق توجهاً متزايداً نحو بناء نظام أمني إقليمي يعتمد بدرجة أكبر على قدرات دول المنطقة نفسها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الاستغناء الكامل عن الولايات المتحدة أو التحالفات الدولية القائمة.

ويهم هذا التطور السودان بصورة مباشرة. فالسودان ليس دولة بعيدة عن منطقة الخليج، وإنما هو دولة مطلة على البحر الأحمر، ويمتلك ساحلاً طويلاً يقع في مواجهة الساحل السعودي. كما تمثل موانئه ومياهه الإقليمية جزءاً مهماً من المجال الأمني للبحر الأحمر، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.

وعليه، فإن أية ترتيبات جديدة لحماية البحر الأحمر والموانئ وخطوط الملاحة ستكون لها آثار مباشرة على السودان. ويمكن أن يستفيد السودان من التعاون مع دول الحلف في مراقبة السواحل، وحماية الموانئ، ومكافحة تهريب السلاح والبشر، وتطوير قواته البحرية وقدراته في مجال الدفاع الجوي. كما يستطيع الاستفادة من الخبرة التركية في صناعة الطائرات المسيّرة والسفن والمدرعات وأنظمة الاتصال، ومن الخبرة الباكستانية في التدريب والتصنيع العسكري، ومن الإمكانات السعودية في التمويل والاستثمار.

غير أن أهمية هذا التطور لا تقتصر على الجانب العسكري. فحماية البحر الأحمر يمكن أن تساعد السودان في إعادة تأهيل موانئه وتطوير بورتسودان وسواكن، وجذب الاستثمارات في مجالات النقل والطاقة والزراعة والتجارة البحرية. وبذلك يمكن أن يتحول التعاون الأمني، إذا أُحسن توجيهه، إلى مدخل أوسع للتنمية وإعادة الإعمار.

مجلس التعاون السعودي–السوداني

يكتسب الأمر أهمية إضافية في ضوء الخطوات الجارية لإنشاء المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والمملكة العربية السعودية. فقد توافق رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال لقائهما في مكة في مارس 2025، على إنشاء مجلس مشترك يتولى تنظيم العلاقات بين البلدين والارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وفي السابع عشر من يناير 2026 أصدر رئيس مجلس السيادة قراراً بإعادة تشكيل المجلس من الجانب السوداني، استناداً إلى ما تم الاتفاق عليه مع القيادة السعودية. كما أعلن وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أن البلدين يستعدان لتوقيع اتفاق إنشاء المجلس خلال أغسطس 2026. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن توقيع الاتفاق متوقع في السابع عشر من الشهر نفسه. ولذلك فمن الأدق القول إن المجلس لا يزال، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، في مرحلة استكمال إجراءات تأسيسه وإطلاقه رسمياً، وليس مؤسسة مكتملة تمارس أعمالها بالفعل.

ويمكن لهذا المجلس أن يمثل الإطار المؤسسي الذي ينظم التعاون بين البلدين، بدلاً من ترك العلاقات رهينة للزيارات المتفرقة أو الاتفاقات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. ويمكن أن يضم لجاناً للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، وأمن البحر الأحمر، والاستثمار الزراعي، والطاقة، والنقل، والتعليم، والصحة، وإعادة الإعمار.

كما يمكن للمجلس أن يفتح أمام السودان طريقاً تدريجياً للتعامل مع الحلف السعودي–التركي–الباكستاني. فبدلاً من الانتقال مباشرة إلى العضوية الكاملة وما تفرضه من التزامات دفاعية، يستطيع السودان أن يبدأ بالتعاون في مجالات محددة، مثل أمن البحر الأحمر، وحماية الموانئ، والتدريب، والدفاع الجوي، ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود. ويمكن بعد ذلك توسيع التعاون ليشمل تركيا وباكستان من خلال اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف.

هل يمكن أن ينضم السودان إلى الحلف؟

يظل انضمام السودان إلى الحلف ممكناً من الناحية النظرية. فقد أعلنت الدول المؤسسة أن الاتفاق ليس مغلقاً، وأن الباب يمكن أن يُفتح أمام دول أخرى. وقد جرى بالفعل تداول اسم مصر وعدد من دول الخليج بوصفها دولاً مرشحة للانضمام إليه مستقبلاً.

ولا يقوم احتمال انضمام السودان على موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وحده، بل يستند أيضاً إلى علاقات سياسية وعسكرية وإنسانية قائمة مع الدول الثلاث.

فقد ظلت المملكة العربية السعودية من أكثر الدول اهتماماً بإنهاء الحرب في السودان، واستضافت منذ مايو 2023، بالتعاون مع الولايات المتحدة، مفاوضات منبر جدة بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع. وتركزت المفاوضات على حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والتوصل إلى وقف لإطلاق النار يمهد لإنهاء الحرب. كما قدمت المملكة مساعدات إنسانية للسودان، وواصلت مساعيها الدبلوماسية من أجل وقف القتال.

أما تركيا، فقد حافظت على علاقاتها مع الدولة السودانية، وقدمت مساعدات إنسانية عبر مؤسساتها الرسمية والهلال الأحمر والمنظمات التركية. كما استقبلت أعداداً كبيرة من السودانيين الذين غادروا البلاد بسبب الحرب، بمن فيهم أسر وطلاب ورجال أعمال وأشخاص قصدوا تركيا للعلاج أو الإقامة.

وفي الجانب العسكري، تشير تقارير إلى حصول السودان على طائرات مسيّرة ومعدات وذخائر من شركات تركية، مما جعل تركيا أحد الشركاء الذين أسهموا في تعزيز قدرات القوات المسلحة السودانية خلال الحرب.

وترتبط باكستان بدورها بعلاقات عسكرية قديمة مع السودان، شملت التدريب والتعاون بين القوات المسلحة وتزويد القوات الجوية السودانية بطائرات ومعدات باكستانية. وقد اكتسبت هذه العلاقة بعداً جديداً خلال عام 2026، مع ورود تقارير عن ترتيبات واسعة لتزويد السودان بالطائرات والعتاد الحربي وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة.

وتناولت التقارير صفقة تشمل طائرات قتالية وتدريبية، وطائرات للاستطلاع والهجوم، وأنظمة دفاع جوي ومعدات عسكرية أخرى. كما أفادت مصادر عسكرية سودانية لاحقاً بوصول مدرعات باكستانية من طراز «محافظ»، إلى جانب طائرات «شاهبار» المسيّرة وقطع غيار لطائرات تستخدمها القوات الجوية السودانية.

وتمنح هذه العلاقات السودان أساساً عملياً للتعاون مع الحلف. فالسعودية تضطلع بدور سياسي وإنساني وتسعى إلى وقف الحرب، وتركيا تقدم دعماً إنسانياً وعسكرياً وتستقبل سودانيين اضطروا إلى مغادرة بلادهم، بينما أصبحت باكستان مورداً مهماً لبعض المعدات العسكرية والطائرات المسيّرة. كما تحتفظ الدول الثلاث بعلاقات مباشرة مع مؤسسات الدولة السودانية، وهو ما قد يسهل إنشاء آليات للتشاور والتعاون الأمني قبل الانتقال إلى مسألة العضوية الكاملة.

ويمتلك السودان من المقومات ما يؤهله ليكون شريكاً مهماً في أية ترتيبات أمنية تتعلق بالبحر الأحمر، وفي مقدمتها موقعه الاستراتيجي، وساحله الطويل، وموانئه المهمة، وخبرة قواته المسلحة، فضلاً عن علاقاته التاريخية والسياسية والعسكرية مع الدول الثلاث. إلا أن العضوية في أي حلف دفاعي لا تعني الحصول على الحماية وحدها، وإنما تفرض أيضاً التزامات متبادلة، من بينها الإسهام في الدفاع عن بقية الأعضاء عند تعرض أي منهم لاعتداء. ومن ثم، لا ينبغي أن يقتصر النقاش السوداني على ما يمكن أن يحصل عليه السودان من الحلف، بل يجب أن يشمل أيضاً ما يستطيع تقديمه إليه.

وهنا يبرز التساؤل حول مدى قدرة السودان، في ظروفه الراهنة، على المشاركة في الدفاع عن السعودية أو تركيا أو باكستان، وما إذا كانت المزايا الاستراتيجية واللوجستية التي يمتلكها، بما في ذلك موقعه وموانئه ومجاله البحري، كافية لتجعله شريكاً فاعلاً في هذا الحلف، حتى قبل أن يتمكن من تقديم مساهمة عسكرية مباشرة.

فالسودان لا يزال يواجه تداعيات الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع على الدولة ومؤسساتها منذ منتصف أبريل 2023. والحلف يقوم على مبدأ واضح، هو أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع أعضائه. ولذلك فإن انضمام السودان، في ظل استمرار الحرب، يثير تساؤلات تتعلق بمدى انطباق مبدأ الدفاع المشترك على حالته، وحدود الالتزامات التي قد تقع على عاتق الدول الأعضاء.

وهناك بعد آخر ينبغي ألا يغيب عن النظر، وهو أن السودان تربطه علاقات ومصالح مهمة مع إيران، إلى جانب علاقاته مع عدد من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. ولذلك ينبغي ألا يؤدي تقاربه مع الحلف السعودي–التركي–الباكستاني إلى الإضرار بهذه العلاقات أو إدخاله في صراعات واستقطابات لا تخدم أمنه ومصالحه الوطنية. فالسياسة الخارجية الناجحة لا تقوم على الانحياز غير المحسوب إلى المحاور، وإنما على بناء علاقات متوازنة ومتنوعة، وتوظيفها لخدمة المصالح الوطنية مع المحافظة على استقلال القرار السوداني.

ولهذا يبدو أن التعاون المرحلي هو الخيار الأنسب للسودان في الوقت الحاضر. ويمكن أن يبدأ هذا التعاون من خلال المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي مع السعودية، ثم يتطور وفقاً لاحتياجات السودان وقدرته على الوفاء بالتزاماته. وبعد انتهاء الحرب، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتكوين حكومة مستقرة، يمكن النظر في إمكان الانضمام الكامل إلى الحلف على أساس دراسة دقيقة للمكاسب والتكاليف.

ويجب، فوق ذلك كله، ألا يصبح التعاون العسكري بديلاً عن إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة. فالسلاح والتدريب والتحالفات لا تعالج وحدها أسباب النزاع، ولا تستطيع حماية دولة ما لم تكن مؤسساتها قوية وقادرة على أداء وظائفها. وتبقى الأولوية بالنسبة إلى السودان هي تحقيق السلام، واستعادة الأمن والاستقرار، وتأمين حدوده وموانئه، ثم بناء علاقات خارجية متوازنة تساعده على التنمية وإعادة الإعمار.

ومن هذه الزاوية، يمثل الحلف السعودي–التركي–الباكستاني فرصة تستحق الدراسة، لكنه لا يقدم حلاً جاهزاً لمشكلات السودان. أما المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية، فيمثل خطوة أكثر واقعية وقرباً من احتياجات البلاد. فإذا أُحسن بناؤه وتحويل قراراته إلى مشروعات عملية، فقد يصبح مدخلاً مهماً لتعزيز أمن البحر الأحمر، وجذب الاستثمارات، ودعم إعادة الإعمار، وتهيئة السودان للمشاركة مستقبلاً في ترتيبات إقليمية أوسع.

تعليق من الكاتب: أعددتُ هذا المقال مستعيناً بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى