رأي

ستنتصر الحقوق بمساعدتنا أو بغيرنا المعاشيون بين استحقاق الحق ومسؤولية الدولة

” نحو ألف دولار فقط يمكن أن تغطي معاشات ما يقارب 160 ألف معاشي وهذه مفارقة ثقيلة الدلالة تستوجب أن تتوقف عندها الدولة وأن يُعاد النظر في منظومة إدارة حقوق هذا العدد الهائل من أصحاب المعاشات.
فكيف يمكن أن تقترب كلفة مرتب شخص واحد مع ما يرتبط به من حوافز وبدلات ونثريات من قيمة ما يُصرف لأصحاب الحقوق أنفسهم ؟ ”

في الحلقة السابقة، من مقالنا المعنون ( المعاشيون بين سنوات العطاء وإجحاف المعاش : الاكتوارية في ميزان العدالة، معاش البروفيسور (37 ألف جنيه) نموذجاً ) توقفنا عند قضية المعاشيين من زاوية تتجاوز مجرد الأرقام والحسابات وقلنا إن المعاش ليس منحة تُمنح ولا مكرمة تتفضل بها الدولة ولا عطاءً خاضعاً لمزاج الإدارة وإنما هو استحقاق أصيل نشأ عن سنوات من الخدمة والعطاء والاقتطاع والالتزام.
ومن ثم، فإن المساس به أو إرجاء الوفاء به أو إفراغه من قيمته الحقيقية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره شأناً مالياً عادياً وإنما هو في حقيقته وجوهره قضية عدالة وحق مكفول بالقانون وكرامة ومسؤولية دولة.

ولأن المسألة لم تعد تحتمل التأجيل أو التجزئة فإنها تمس نحو مليون معاشي بعضهم معلقة استحقاقاتهم لأكثر من ثلاث سنوات فيما يشكل المعلمون ما لا يقل عن 60% منهم لتتجاوز القضية حدود التأخير الإداري إلى حقوق مستحقة وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية ومسؤولية أصيلة على عاتق الدولة بما يجعل إنصاف المعاشيين وتسوية حقوقهم استحقاقاً وطنياً عاجلاً لا يحتمل مزيداً من التأخير.
واليوم نواصل من حيث انتهينا ولكن من زاوية أكثر عمقاً وحساسية في المسألة الاكتوارية.

فالاكتوارية، في جوهرها ليست أداة لتبرير انخفاض المعاشات ولا حجاباً مؤسسياً تُخفى خلفه الفوارق غير العادلة وإنما هي علم يقوم على الحساب الدقيق للمخاطر والالتزامات والتدفقات المالية والعمر المتوقع والاستدامة المستقبلية بما يضمن قدرة نظام المعاشات على الوفاء بالتزاماته تجاه مستحقيه اليوم وغداً.

وهنا تحديداً يفرض نفسه السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه:
إذا كانت الاكتوارية علماً لحساب الاستدامة فأين موقع العدالة في حساباتها ؟

وأين يقع حق المعاشي الذي أمضى عقوداً من عمره في خدمة الدولة والمجتمع ؟

وهل يجوز أن تتحول المعادلة الاكتوارية من وسيلة لتحقيق التوازن والاستدامة إلى مبرر لإبقاء معاش لا يوازي حتى الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة ؟

إننا لا نخاصم العلم، ولا نعترض على الحساب ولا ندعو إلى تجاوز القواعد المالية بل على العكس تماماً نحن نطالب بأن تُستخدم الاكتوارية بصورة صحيحة وعادلة وشفافة وأن يكون الإنسان وحقه المكتسب في قلب المعادلة لا على هامشها.
ولعل نموذج معاش البروفيسور الذي يبلغ نحو 37 ألف جنيه يكفي وحده لفتح باب واسع من الأسئلة التي لا يجوز أن تظل معلقة.
فحين يكون صاحب أعلى درجات التأهيل العلمي والخبرة الأكاديمية والمهنية قد أفنى جانباً كبيراً من عمره في التعليم والبحث وخدمة المجتمع ثم ينتهي به المطاف إلى معاشٍ بهذا المستوى فإن القضية لا تعود قضية شخص بعينه وإنما تصبح نموذجاً دالاً على خلل أوسع في فلسفة المعاشات ومعايير تقدير الخدمة والاستحقاق.

إن الأستاذ الجامعي والبروفيسور والطبيب والمهندس والقاضي والخبير والمعلم والموظف والعامل وكل من خدم الدولة سنوات عمره لا يطلب عند التقاعد إحساناً من أحد وإنما يطالب بما استحقه وفق القانون والنظام الذي خدم في ظله.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين جوهريين المساواة ليست أن يحصل الجميع على المبلغ نفسه وإنما أن يحصل كل صاحب حق على استحقاقه وفق معيار عادل وشفاف ومنضبط.

فالعدالة لا تعني تسوية الفوارق التي أنشأها القانون والخدمة والدرجة والأجر والاشتراكات وسنوات العمل كما لا تعني أن يتساوى من اختلفت حقوقهم وإنما تعني أن يكون المعيار واحداً والقاعدة واضحة والتطبيق منصفاً والنتيجة متناسبة مع الاستحقاق.

فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحصل هذا المعاشي على مبلغ أكبر من ذاك ؟ وإنما السؤال الأهم:هل احتُسب معاش كل واحد منهما وفق ذات المعايير القانونية والاكتوارية العادلة ؟ وهل راعت تلك المعايير سنوات خدمته ودرجته وأجره واشتراكاته والتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكلفة المعيشة ؟

إذا كانت الإجابة نعم، فليُكشف الحساب للناس ولتُعرض المعادلات والمعايير بشفافية وليعرف الجميع كيف صارت سنوات الخدمة إلى هذا الاستحقاق.

أما إذا كانت الإجابة لا، فهنا لا يعود الأمر مجرد خطأ في الحساب وإنما يصبح خللاً مؤسسياً يستوجب المراجعة والتصحيح.

حين يصبح الدولار معياراً لكشف المفارقة ولأن الأرقام أكثر قدرة على كشف الحقائق من الانطباعات فإن من المفيد أن ننظر إلى المسألة من زاوية حسابية مبسطة مع التأكيد على ضرورة تدقيق البيانات وسعر الصرف والافتراضات المستخدمة قبل اعتماد أي نتيجة بصورة رسمية.

فإذا صح هذا الحساب فإن نحو ألف دولار فقط تعادل مجموع ما يُصرف لمعاشات ما يقارب 160 ألف معاشي وهنا تفرض الأرقام سؤالاً لا ينبغي أن يمر عابراً كيف تُدار منظومة تُعنى بحقوق هذا العدد الهائل من أصحاب المعاشات إذا كانت تكلفة بعض الرواتب والحوافز والبدلات والنثريات في الجهاز الإداري يمكن أن تقترب من قيمة ما يُدفع لمئات الآلاف من أصحاب الحقوق ؟ وكيف يتأخر حق المعاشي بينما لا تتأخر تكلفة الإدارة القائمة على خدمته ؟ إن هذه المفارقة لا تستدعي اتهام الأشخاص بقدر ما تستوجب مراجعة جادة لهيكل الإنفاق وترتيب الأولويات وميزان العلاقة بين تكلفة إدارة الحق وقيمة الحق الذي يصل إلى صاحبه.
وليس المقصود من هذا الحساب إجراء مقارنة نقدية بين الجنيه والدولار ولا اختزال قضية المعاشات في سعر الصرف وإنما استخدام الرقم بوصفه مؤشراً كاشفاً يثير سؤالاً أكبر حول حجم الإنفاق على المعاشي مقارنة بحجم الجهاز الإداري والموارد التي تُدار من أجل هذا الملف.
فإذا صحت البيانات والأسس الحسابية التي بُني عليها هذا الاستنتاج فإن السؤال يصبح مشروعاً ومحرجاً في آنٍ واحد.
هل يُعقل أن تبلغ تكلفة رواتب وحوافز وبدلات ونثريات المسؤولين الإداريين والمشرفين على ملف المعاشات أو حتى جزء من تكاليف الجهاز القائم على إدارته مستوى يقارب أو يفوق ما يُنفق على أعداد هائلة من أصحاب الحقوق مجتمعين ؟
هنا لا ينبغي أن نتعجل الاتهام ولا أن نحاكم الأشخاص وإنما ينبغي أن نراجع هيكل الإنفاق ذاته وأن نضع الأرقام أمام ميزان الكفاءة والعدالة والمصلحة العامة.
كم تبلغ تكلفة إدارة منظومة المعاشات ؟ وكم يبلغ نصيب المعاشي الواحد من الموارد؟ وكم تبلغ تكلفة الإدارة واللجان والمكاتب والبدلات والنثريات مقارنة بما يصل فعلياً إلى أصحاب الاستحقاق ؟
وهل توجد نسبة عادلة ومنطقية بين ما يُنفق على إدارة الحق وبين الحق ذاته.
إن هذه الأسئلة تتصل بجوهر الإصلاح المؤسسي ولا يجوز اختزالها في مسائل ظرفية أو النظر إليها بمعزل عن مسؤولية إدارة المال العام فهي تقع في صميم الحوكمة الرشيدة والعدالة المالية وتمس بصورة مباشرة كفاءة الإنفاق وترتيب الأولويات وصون حقوق أصحاب المعاشات.
فليس من المنطقي أن تكون الإدارة التي أُنشئت لخدمة أصحاب الحقوق أكثر قدرة على تمويل نفسها من قدرة أصحاب الحقوق على الحصول على استحقاقاتهم.
ولا يستقيم أن يتحول الجهاز الإداري من وسيلةٍ لخدمة المعاشي إلى عبء إضافي على الموارد المخصصة لمعاشه.
فإن المقارنة التي تبدو في ظاهرها صادمة ينبغي أن تدفعنا إلى مراجعة علمية شفافة لتكلفة إدارة نظام المعاشات مقارنة بحجم المنافع التي تصل إلى مستحقيها.

وهذا ليس اتهاماً لمسؤول بعينه ولا تشكيكاً في ذمة موظف ولا إطلاقاً لأحكام جزافية فذلك ليس منهجاً في الإصلاح وإنما المقصود وضع المسألة في إطارها الموضوعي والنظر إليها من زاوية كفاءة الإنفاق وعدالة توزيع الموارد لكن ما ينبغي قوله بوضوح كل جنيه يُنفق على الإدارة ينبغي أن تكون له ضرورة وكل جنيه يُنفق على المعاشي ينبغي أن يكون له أثر.

وإذا كان هناك تفاوت غير مبرر بين تكلفة الإدارة وحجم الحق الذي يصل إلى صاحبه فإن إصلاح هذا الخلل يصبح واجباً لا خياراً.
ولعل أبلغ ما في هذه المفارقة أن عدد 158,110 معاشياً أي ما يقارب 160 ألف معاشي ليس مجرد رقم في جدول مالي، ولا بنداً محاسبياً يُختزل في كشوفات وحسابات إنهم آباء وأمهات وأساتذة وأطباء ومهندسون وموظفون وعمال وعسكريون ومدنيون يمثلون رصيداً وطنياً من الخبرة والكفاءة والتجربة وإنهم ذاكرة مؤسسية حية وخبرة متراكمة وشريحة وطنية أسهمت في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع ولا يجوز أن تُختزل مكانتهم وحقوقهم عند باب التقاعد كرقم أو قيمة مالية.
ومن المؤلم أن يصبح متوسط استحقاقهم محل مقارنة مع تكلفة إدارة الملف الذي يفترض أن يكون قد أُنشئ أصلاً لحمايتهم وإنصافهم.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ أي ظلم وإجحاف يمكن أن يبلغ بالإنسان أن يقضي عمره في خدمة وطنه ثم يجد نفسه عند نهاية الخدمة أمام معاش لا يكاد يوازي ضرورات الحياة ؟
وأي عدالة هذه إذا كان المعاشي هو الطرف الأضعف دائماً في المعادلة بينما تظل تكلفة إدارة النظام بمنأى عن ذات الضغوط التي يُطلب من المعاشي تحملها ؟

إن القضية هنا ليست في شخص المسؤول وإنما في فلسفة إدارة المال العام وترتيب الأولويات.

المسؤول الذي يتولى ملف المعاشات ينبغي أن يكون أول المدافعين عن حقوق أصحابها وأول من يطالب بكفاءة الإنفاق وأول من يقبل بالمراجعة والمساءلة والشفافية فالمعيار الحقيقي لنجاح إدارة المعاشات ليس عدد المكاتب ولا حجم الجهاز الإداري ولا عدد الاجتماعات ولا قيمة النثريات وإنما ما يصل إلى المعاشي في نهاية المطاف ومدى كفايته وعدالته وانتظامه.

لقد ظل مفهوم الاكتوارية حاضراً في خطاب إدارة صناديق المعاشات والتأمينات ولكن المطلوب اليوم هو أن ينتقل هذا المفهوم من مجرد مصطلح فني إلى منهج عدالة قابل للقياس والمراجعة والمساءلة.

فالزيادة الاكتوارية ليست استجابة عارضة وظرفية لتقلبات الواقع الاقتصادي ولا منحة موسمية ولا قراراً تجميلياً وإنما هي جزء أصيل من فلسفة حماية القيمة الحقيقية للمعاش وصون قدرته الشرائية في مواجهة التضخم وتغيرات الاقتصاد وارتفاع تكاليف الحياة.

ومن هنا تأتي أهمية مراجعة ما ترتب على قرار مجلس الوزراء رقم (35) لسنة 2023، وما إذا كان قد طُبق بصورة تحقق مقاصده القانونية والمالية على جميع المستحقين وبما يضمن عدم نشوء فوارق غير مبررة بين فئات المعاشيين.
كما أن الحديث عن زيادة اكتوارية بنسبة 15% سنوياً لا ينبغي أن يظل مجرد رقم متداول في الخطاب العام بل ينبغي أن يكون محل دراسة مؤسسية واضحة تُبين أساسه القانوني والاكتواري ومصادر تمويله ومدى أثره على استدامة الصندوق وكيفية تطبيقه على مختلف الفئات.
وبذلك نصل إلى جوهر المسألة، فالاستدامة المالية للصندوق لا ينبغي أن تُبنى على إفقار المعاشي أو الانتقاص من حقه كما أن إنصاف المعاشي لا ينبغي أن يؤدي في المقابل إلى إضعاف الصندوق أو تهديد قدرته على الوفاء بالتزاماته.
فالمعادلة العادلة ليست في تغليب أحد الطرفين على الآخر وإنما في تحقيق التوازن الذي يحفظ الحق ويصون الاستدامة معاً.

وهذه هي مهمة الإدارة الرشيدة أن تبحث عن التوازن بين حقوق اليوم وقدرة الغد وبين الاستحقاق الفردي والاستدامة المؤسسية وبين مقتضيات المالية العامة وكرامة الإنسان بحيث لا تتحول حماية الاستدامة المالية إلى مبرر للانتقاص من الحقوق ولا تتحول حماية الحقوق إلى مسار يهدد استقرار المؤسسة وقدرتها على الاستمرار.

ولذلك، فإن الحل لا يكمن في المسكنات ولا في القرارات الجزئية وإنما في مراجعة اكتوارية ومالية وقانونية وإدارية شاملة تُجرى على أسس علمية مستقلة وتستند إلى بيانات دقيقة ومعايير واضحة وتشارك فيها الجهات المختصة وأصحاب الخبرة وممثلو المعاشيين وتُعلن نتائجها بشفافية حتى يكون القرار النهائي قائماً على أسس موضوعية قابلة للتحقق ويعالج أصل المشكلة لا مظاهرها المؤقتة.

كما أن عقد ورشة وطنية متخصصة حول أوضاع المعاشات والتأمينات يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء رؤية متكاملة لا تكتفي بتشخيص الأزمة وإنما تنتقل إلى تقديم حلول قابلة للتنفيذ وتضع معايير واضحة للعدالة والاستدامة بما يتيح معالجة الاختلالات على أسس علمية ومؤسسية بعيداً عن الحلول الجزئية أو المعالجات الترقيعية.

والأهم من ذلك كله أن تُراجع القوائم والبيانات والاستحقاقات مراجعة دقيقة وشاملة وأن تُكشف مواطن التفاوت وأن يُحدد سبب كل تفاوت وأساسه وهل هو تفاوت مشروع تحكمه قواعد واضحة ومعلنة أم تفاوت نشأ عن خلل إداري أو قانوني أو مالي إذ لا يمكن بناء العدالة على أرقام غير دقيقة ولا يمكن تحقيق الاستدامة في ظل بيانات تحتاج إلى المراجعة والتدقيق.

فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة مواردها وإنما تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية حقوق من خدموها ولا سيما عندما يبلغون مرحلة يصبحون فيها في أمس الحاجة إلى حماية الدولة ومؤسساتها فحماية الحقوق في هذه المرحلة ليست مكافأة أو مجاملة وإنما هي إحدى صور الوفاء المؤسسي والمسؤولية الوطنية.

ومن المؤلم أن يتحول بعض الذين أمضوا أعمارهم في خدمة المؤسسات العامة إلى أصحاب مطالبات متكررة يلاحقون حقاً كان ينبغي أن يصل إليهم وفق نظام مؤسسي واضح ومستقر لا عبر المناشدات والوساطات ولا من خلال البحث عن استثناءات أو أبواب خاصة للوصول إلى استحقاق أصله أنه حق مقرر.

إننا لا نريد أن تتحول قضية المعاشيين إلى خصومة بين الدولة ومعاشييها فالدولة والمعاشي في نهاية المطاف طرفان في عقد من الثقة والمسؤولية.

الدولة التزمت والمعاشي أدى واجبه، الدولة وعدت بالحماية الاجتماعية والمعاشي دفع من سنوات عمره ومن دخله ومن جهده ثمناً لهذا الوعد.

ولذلك، فإن الوفاء بالمعاش ليس فضلاً من الدولة على مواطنيها وإنما هو وفاء الدولة بالتزامها تجاه مواطن أدى ما عليه وأوفى بما طُلب منه واستحق في المقابل أن يجد حقه مصوناً بنظام واضح وعادل.
فإن قضية معاش البروفيسور البالغ نحو 37 ألف جنيه ليست قضية مبلغ فحسب ولا قضية فئة بعينها وإنما هي مرآة نختبر فيها عدالة النظام كله ومدى قدرته على الوفاء بمنظومة الحقوق التي أُنشئت مؤسسات المعاشات والتأمينات من أجل حمايتها.

وإذا كان هذا هو حال من بلغ أعلى درجات التأهيل والخدمة والخبرة فما حال بقية المعاشيين الذين يواجهون الضغوط الاقتصادية ذاتها ولكن بموارد أقل وقدرة أضعف على مواجهة أعباء الحياة ومتطلباتها ؟

إن السؤال الذي ينبغي أن يضعه أصحاب القرار أمام أعينهم، ليس كم سندفع ؟ وإنما كم من العدالة نستطيع أن نعيد إلى هذا النظام ؟
وكيف نحافظ على كرامة من أفنوا أعمارهم في خدمته ؟

فالمال يمكن إعادة تنظيمه واللوائح يمكن تعديلها والمعادلات يمكن مراجعتها وتصحيحها أما السنوات التي مضت من أعمار الناس فلا يمكن استعادتها ولا يستطيع أي قرار لاحق أن يعيد للإنسان ما أنفقه من عمره وجهده في خدمة مؤسسات الدولة.

ولهذا، فإن أي إصلاح حقيقي لمنظومة المعاشات يجب أن يقوم على ثلاثة أركان لا غنى عنها : ( حق محفوظ ومعيار عادل واستدامة مالية ) وإذا غاب أحد هذه الأركان اختل النظام كله فالحق بلا استدامة قد يفقد قدرته على الاستمرار والاستدامة بلا عدالة قد تتحول إلى انتقاص من الحقوق والمعيار بلا شفافية يفقد مشروعيته وقدرته على إقناع أصحاب الشأن وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.

ولا ينبغي أن يُنظر إلى الأمر باعتباره مطالبة بامتياز للمعاشيين وإنما باعتباره استحقاقاً لحقوق واضحة ومعلومات معلنة ومعايير عادلة وآليةِ تظلم فعالة ومراجعة دورية تواكب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وتضمن أن تظل منظومة المعاشات قادرة على أداء وظيفتها في حماية المستحقين وصون حقوقهم.

كما أن القضية لا تُطرح في مواجهة جهة بعينها وإنما تُطرح أمام أصحاب المعالي والمسؤولين عن هذا الملف بروح المسؤولية الوطنية انطلاقاً من أن معالجة قضية المعاشيين ليست عبئاً على الدولة بل هي اختبار حقيقي لهيبة القانون وعدالة المؤسسة وكفاءة الإدارة وثقة المواطن في دولته ومؤسساتها.

والرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن الزمن لا يعمل ضد أصحاب الحقوق إلى ما لا نهاية.
فقد يصمت المعاشي احتراماً وقد يصبر تقديراً للظروف التي تمر بها البلاد وقد ينتظر ثقة في مؤسسات الدولة ولكن الصمت لا يعني التنازل ولا الصبر يعني إسقاط الحق والانتظار لن يحول الاستحقاق إلى منة.

ولهذا نقولها بوضوح، ستنتصر الحقوق بمساعدتنا أو بغيرنا.
وسيمضون في طلبها بكل الوسائل المشروعة بالحجة وبالقانون وبالبيانات وبالمعرفة وبالخطاب المسؤول لأنهم لا يبحثون عن انتصار على أحد وإنما ينشدون انتصار العدالة للجميع وإصلاح منظومة المعاشات بما يعيد التوازن بين حق المعاشي واستدامة المؤسسة.

فإذا استجابت مؤسسات الدولة فذلك انتصار للدولة قبل أن يكون انتصاراً للمعاشيين لأن الدولة التي تنصف أصحاب الحقوق إنما تعزز ثقة مواطنيها في مؤسساتها وتؤكد أن القانون قادر على حماية من خدموا الدولة كما كان قادراً على تنظيم خدمتهم.

وإذا بادر أصحاب المعالي إلى مراجعة هذا الملف وإنصاف أهله فإنهم بذلك لا يقدمون خدمة لفئة محدودة وإنما يؤكدون أن الدولة حين تنصف من خدموها إنما تعيد الاعتبار إلى منظومة من القيم التي تقوم عليها شرعيتها المؤسسية بالوفاء لأهل العطاء واحترام القانون وصون كرامة الإنسان وحقوقه وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

فإن ملف المعاشيين يحتاج إلى قرار شجاع وإرادة سياسية قوية وخبرة اكتوارية ومراجعة قانونية وإدارة مؤسسية لأن قضية بهذا الحجم لا تُعالج بمزيد من الوعود وإنما بالبيانات الدقيقة والمعايير العادلة والقرارات الواضحة القابلة للتنفيذ.
والدولة القوية ليست التي تؤجل حقوق مواطنيها وإنما التي تملك شجاعة لمراجعة أخطائها وتصحيح اختلالاتها وإخفاقاتها وإنصاف أصحاب الحقوق وتحويل الالتزام القانوني إلى ممارسة مؤسسية راسخة.

فمن أفنى عمره في خدمة الوطن وبذل سنواته في ميادين العمل والعطاء لا ينبغي أن يكون تقاعده بداية لمعاناة جديدة ولا أن تتحول خاتمة سنوات خدمته إلى ابتداء لرحلة من الانتظار أو العجز عن مجابهة أعباء الحياة فسنوات العطاء التي بذلها المعاشي في خدمة الدولة لا ينبغي أن تُكافأ بعد التقاعد بالضيق والانتظار وإنما بأن تُصان حقوقه وتُحفظ كرامته ويُؤمن له العيش الذي يليق بما قدم.
وإذا كانت الدولة قد استأمنت المعاشي على سنوات عمره في الخدمة وأوكلت إليه خلالها مسؤوليات ومهام جسام وائتمنته على جهده ووقته وخبرته وكفاءته واستفادت من عطائه في أداء واجباته وخدمة الوطن فإن أقل ما يمكن أن ترده إليه هو حقه كاملاً وعدلاً وكرامة فالمعاش استحقاق أصيل وثمرة سنوات من العطاء وأمانة في ذمة الدولة وحق ينبغي أن تُصان قيمتُه وأن يُؤدى إلى أصحابه دون انتقاص أو تأخير فلا ينبغي أن ينال منه التأخير أو تُضعف قيمته الاختلالات أو تُثقله أعباء الحياة.

وبمساعدتنا أو بغيرنا ستنتصر الحقوق يا أصحاب المعالي لأن الحق لا يحتاج إلى قوة تحميه بقدر ما يحتاج إلى دولة تؤمن به ومؤسسات تنصفه وحكومة تملك إرادة إنفاذه وشجاعة المضي فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى