رأي

عبر صحيفة وإذاعة المهجر الدولية بواشنطن.. مهندس طارق حمزه زين العابدين يكتب :السودان أكبر من خلافاتنا: نداء إلى جيل البناء والسلام

إلى شباب السودان، نساءً ورجالًا،
يا أبناء وبنات الوطن الذي أنهكته الحروب، وأثقلته الخلافات، وأرهقته سنوات طويلة من التجاذب بين الأفكار الضيقة والانتماءات القبلية والإثنية؛ إن السودان أكبر من أن يُختزل في صراع سلطة، أو راية أيديولوجية، أو حدود جغرافية بين أبناء الشعب الواحد.
السودان وطن منحه الله ما يؤهله لأن يكون في مقدمة الأمم: أرضٌ خصبة، ومياهٌ وفيرة، وثرواتٌ عظيمة، وتنوعٌ إنساني وثقافي فريد، وعاداتٌ أصيلة، وقيمٌ حميدة، وترابطٌ اجتماعي ظلّ، رغم كل المحن، شاهدًا على معدن هذا الشعب الكريم. وما ينقصنا ليس الموارد ولا العقول ولا الإرادة، بل الاتفاق على أن الوطن يتسع للجميع، وأن كرامة السوداني لا تُقاس بقبيلته أو لونه أو منطقته أو فكره السياسي.
لا تجعلوا اختلافكم سببًا للفرقة، بل اجعلوه مصدرًا للقوة والإبداع. فالأمم لا تنهض حين يتشابه أبناؤها، وإنما تنهض حين يديرون اختلافهم بالحكمة، ويجتمعون على الحد الأدنى من التوافق: وطنٌ آمن، وسلامٌ شامل، وعدالةٌ لا تستثني أحدًا، ومساواةٌ تجعل القانون فوق الجميع.
تأملوا تجارب الشعوب التي خرجت من قلب المآسي لتصنع مستقبلًا جديدًا. اليابان نهضت من دمار الحرب والقصف النووي، وفيتنام تجاوزت الغزو والحروب الداخلية، وأوروبا بنت تعاونًا وسلامًا بعد قرون من الحروب القاسية، والصين تحولت بعد صراعات اجتماعية وسياسية مؤلمة إلى قوة عالمية، والولايات المتحدة نفسها مرت بمراحل استعمار وحروب أهلية وانقسامات عميقة قبل أن تشكل حاضرها. ليست هذه التجارب دعوة لتقليد أحد، بل تذكير بأن الشعوب القادرة على مراجعة نفسها، والتعلم من أخطائها، والإيمان بمستقبلها، تستطيع أن تبدأ من جديد.
لقد مر السودان، منذ الاستقلال، بتجارب سياسية متباينة بين حكم مدني وديمقراطيات متعثرة وحكومات عسكرية وصراعات مسلحة. والتاريخ لا يُقرأ للبكاء على ما مضى، بل لاستخلاص الدروس وبناء ما هو أفضل. لا تعيدوا إنتاج أخطاء الماضي، ولا تسلموا مستقبل البلاد لمن يزرعون الخوف والكراهية والانقسام.
يا شباب السودان، أنتم لستم جيل الانتظار، بل جيل الإنقاذ والبناء. اجتمعوا على كلمة سواء، وارفعوا صوت العقل فوق ضجيج التحريض، واجعلوا الحوار بديلاً عن السلاح، والمواطنة بديلاً عن العصبية، والعمل المشترك بديلاً عن اليأس. السودان يستحق منكم أن تحلموا له كبيرًا، وأن تعملوا من أجله بإخلاص، وأن تصروا على أن يكون وطنًا يسع جميع أبنائه دون إقصاء أو تمييز.
فليكن هدفنا جميعًا: سودانٌ حر، آمن، عادل، متصالح مع ذاته، ومزدهر بموارده وأبنائه.
كونوا بخير، وكونوا سندًا لوطنكم؛ فالسودان، رغم كل الجراح، ما زال يستحق الحياة.
مهندس/ طارق حمزة زين العابدين
واشنطن- الولايات المتحدة الأمريكية
13 اغسطس 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى