بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : لجنة الممارسات التي تضر بالاقتصاد خطوة إيجابية تحتاج إلى رؤية من خارج الجهاز التنفيذي

جاء في الأخبار قبل أيام أن لجنة شُكّلت بقرار من رئيس مجلس الوزراء الانتقالي لمناقشة المخالفات والممارسات التي تضر بالاقتصاد السوداني. ويرأس اللجنة وزير الدفاع، وتضم وزيري المالية والعدل، ومحافظ بنك السودان المركزي، ومدير عام قوات الجمارك، ومدير عام هيئة الأمن الاقتصادي.
وتبحث اللجنة قضايا مهمة، من بينها التعامل بالنقد الأجنبي، وتجارة العملة، والاستيراد والتصدير، وحصائل الصادر، وتهريب الذهب، على أن ترفع توصياتها إلى الجهات العليا لاتخاذ القرارات المناسبة.
ولا شك في أن تشكيل هذه اللجنة خطوة إيجابية في طريق الإصلاح، تعكس إدراك الحكومة لحجم التحديات التي تواجه النشاط الاقتصادي وضرورة التعامل معها بصورة منظمة ومؤسسية. ويمكن أن تكون اللجنة بداية مفيدة إذا قام عملها على تشخيص دقيق للمشكلات، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتحويل التوصيات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
غير أن طبيعة القضايا المطروحة تثير سؤالاً مهماً بشأن تكوين اللجنة. فقد كان من الأفضل أن تتكون عضويتها الأساسية من مستقلين وممثلين لأصحاب المصلحة من خارج الجهاز التنفيذي، مع مشاركة الوزارات والمؤسسات الحكومية في تقديم المعلومات ومناقشة المقترحات، ثم تنفيذ ما يُعتمد من توصيات.
فالجهات التنفيذية تنظر إلى المشكلات من زاوية القوانين واللوائح والسياسات الرسمية، بينما ينظر إليها المنتجون والتجار والمستوردون والمصدّرون والمستهلكون من زاوية التجربة اليومية والآثار العملية. والجمع بين هاتين الرؤيتين ضروري للوصول إلى تشخيص متوازن وحلول واقعية.
ولا يعني إشراك جهات مستقلة التقليل من أهمية المؤسسات الحكومية أو خبرتها، بل يهدف إلى توسيع دائرة النظر، وتعزيز الشفافية، وإدخال آراء وتجارب قد لا تظهر كاملة في التقارير الرسمية. كما أن الفصل النسبي بين التشخيص والتنفيذ يساعد على مراجعة السياسات والإجراءات بموضوعية أكبر.
ولهذا كان من المفيد أن تضم اللجنة خبراء مستقلين في الاقتصاد والقانون والإدارة العامة، إلى جانب ممثلين عن رجال الأعمال والتجار والمستوردين والمصدّرين والمزارعين والمنتجين والعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة والمستهلكين والمجتمع المدني. فهذه الفئات تتعامل مباشرة مع آثار السياسات الاقتصادية، وتعرف العقبات التي تعرقل الإنتاج والتجارة والاستثمار.
في الأسواق، يواجه المواطنون ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بينما تتحمل الأسر نتائج اضطراب سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والرسوم. ومن ثم، فإن الاستماع إلى المواطنين وجمعيات حماية المستهلك ضروري لفهم الأبعاد الاجتماعية للسياسات الاقتصادية، وليس نتائجها المالية وحدها.
وفي المصانع والمشروعات الصغيرة، يتأثر الإنتاج بانقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات، وارتفاع تكاليف التشغيل، ونقص المواد الخام وقطع الغيار. وتضيف الرسوم والجبايات وتعدد الإجراءات أعباءً قد تدفع بعض المشروعات إلى تقليص نشاطها أو التوقف أو الانتقال إلى الاقتصاد غير الرسمي.
أما المستوردون والمصدّرون، فيواجهون تعدد النوافذ الحكومية، وتضارب بعض اللوائح، وبطء الإجراءات، وتكرار المستندات، وتراكم الرسوم، فضلاً عن صدور قرارات مفاجئة من دون تشاور أو فترات انتقالية كافية. وهذه الممارسات لا تؤخر المعاملات فحسب، بل ترفع تكلفة التجارة، وتضعف القدرة على التخطيط، وتؤثر في الثقة ببيئة الأعمال.
ويواجه المزارعون والمنتجون بدورهم ارتفاع أسعار الوقود والبذور والأسمدة، وصعوبة الحصول على التمويل، وضعف خدمات النقل والتخزين، وسوء بعض الطرق التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق. ولذلك فإن أي سياسة اقتصادية لا تضع الإنتاج الزراعي والحيواني في مقدمة أولوياتها ستظل محدودة الأثر في بلد يمتلك موارد واسعة مثل السودان.
كما تحتاج قضية حصائل الصادر إلى قدر كبير من الشفافية بشأن آليات التحصيل والإدارة والتخصيص، ومدى استفادة المنتجين الحقيقيين من عائدات صادراتهم. وينبغي أن تقوم معالجتها على حوار جاد بين المنتجين والمصدّرين والمصارف والجهات الحكومية، بما يحقق مصلحة الاقتصاد الوطني ويحافظ على استمرار النشاط الإنتاجي والتجاري.
ولا يكتمل الإصلاح الاقتصادي من دون تحسين أداء الجهاز الإداري. فتأخير المعاملات، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وتعقيد الإجراءات، وغياب الانضباط والمساءلة، كلها عوامل ترفع تكلفة ممارسة الأعمال. ويقتضي الإصلاح تبسيط الإجراءات، وتوسيع الخدمات الرقمية، وتحديد مدد زمنية لإنجاز المعاملات، ونشر اللوائح والرسوم بوضوح.
وتأتي مكافحة الفساد والرشوة والمحسوبية في مقدمة الأولويات، لما لها من أثر في تعطيل المعاملات، وزيادة تكاليف النشاط الاقتصادي، وتشويه المنافسة. ولا تقتصر المعالجة على العقوبات، بل تشمل تقليل فرص الفساد من خلال تبسيط الإجراءات، والحد من الاتصال المباشر بين طالب الخدمة والموظف، وتعزيز الرقابة والمحاسبة.
ولإسناد اللجنة بالمعلومات والآراء، أقترح أن تطلب من رئيس الوزراء تنظيم ورشة عمل قومية متخصصة تمتد ثلاثة أيام، يشارك فيها الخبراء الاقتصاديون والقانونيون، ورجال الأعمال، والمصنّعون، والمزارعون، والمستوردون والمصدّرون، وأصحاب المشروعات الصغيرة، وممثلو العمال والمستهلكين والمجتمع المدني والإعلام، إلى جانب المسؤولين التنفيذيين.
ومن المهم كذلك إشراك الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الأكاديمية في إعداد الورشة ومداولاتها، لما تملكه من خبرات علمية وقدرات بحثية يمكن أن تسهم في تشخيص المشكلات واقتراح الحلول. وحبذا لو عُقدت الورشة في إحدى الجامعات السودانية، بما يساعد على إنعاش المؤسسات الأكاديمية، وإشراك الأساتذة والباحثين والطلاب في مناقشة قضايا بلادهم، وإعادة ربط البحث العلمي باحتياجات الدولة والمجتمع. ويكتسب هذا المقترح أهمية خاصة في ظل عودة الجامعات إلى مزاولة نشاطها، وحاجتها إلى استعادة دورها بوصفها مراكز للفكر والحوار وصناعة السياسات، لا مؤسسات للتدريس وحده.
وتنظيم مثل هذه الورش ممارسة معهودة ومتّبعة في مختلف دول العالم عند إعداد السياسات العامة أو مراجعتها. فالحكومات والمؤسسات الدولية تلجأ إلى المشاورات الواسعة، وورش أصحاب المصلحة، وجلسات العصف الذهني لجمع المعلومات، واختبار المقترحات، والتعرف إلى الآثار المحتملة للقرارات قبل اعتمادها.
وينبغي أن تُنظم الورشة حول محاور محددة تشمل النقد الأجنبي، والاستيراد والتصدير، وحصائل الصادر، وتهريب الذهب، والإنتاج الزراعي والصناعي، والرسوم والجبايات، وإصلاح الخدمة المدنية، ومكافحة الفساد، وتحسين بيئة الأعمال. ويُخصص لكل محور فريق عمل يجمع بين المسؤولين والخبراء وأصحاب المصلحة، بعيداً عن الكلمات العامة والمداولات التي لا تنتهي إلى نتائج عملية.
وفي ختام الورشة، تُجمع المقترحات وتُرتب وفق الأولوية وقابلية التنفيذ والتكلفة، ثم تُرفع إلى اللجنة للاستفادة منها في إعداد توصياتها النهائية. وبعد اعتمادها، توضع في مصفوفة تنفيذ تحدد الإجراءات المطلوبة، والجهات المسؤولة، والموارد اللازمة، والجداول الزمنية، ومؤشرات قياس الأداء، مع نشر تقارير دورية توضح ما نُفذ وأسباب تعثر ما لم يُنفذ.
إن تشكيل اللجنة بداية إيجابية يمكن البناء عليها، غير أن نجاحها يعتمد على انفتاحها على المجتمع الاقتصادي واستفادتها من الخبرة المستقلة والتجربة الميدانية. فالإصلاح الاقتصادي لا تصنعه جهة واحدة، وإنما يتطلب شراكة تجمع بين قدرة الدولة على التنفيذ، وخبرة المختصين، وإسهام المؤسسات الأكاديمية، ومعرفة المنتجين وأصحاب الأعمال والمواطنين بواقع الاقتصاد ومشكلاته.
بكري موسي عبد الكريم.
3 سبتمر 2026








