رياضة

موسى داؤد يكتب :السودان.. حيث تلتقي وحدة الوطن بخصوبة الأرض

ليس السودان بلداً عادياً في معادلة الأمن الغذائي بالقرن الأفريقي؛ فخلف حدوده الشاسعة أرضٌ تجمع بين الزراعة المطرية والمروية، وثروةٌ حيوانية، ومقومات مائية ومناخية، وموقعٌ يفتح أبواباً واسعة أمام التجارة الزراعية. غير أن قيمة الموارد لا تُقاس بما تختزنه الأرض، وإنما بما تستطيع الدولة أن تحوّله منها إلى إنتاجٍ وتنميةٍ وحياة.
ومن هنا تأتي أهمية ما طُرح في الاجتماع الوزاري لمنظمة «إيغاد» حول خطة الاستثمار الإقليمي لنظم الأغذية الزراعية 2026–2035 وإطار السياسات التنظيمية للبذور، وما أُثير بشأن تعزيز وحدة السودان ودوره في الأمن الغذائي والاستدامة الزراعية في الإقليم.
فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الشهادات على خصوبة أرضه، بقدر ما يحتاج إلى مشروعٍ يحسن استثمارها. وهذا يبدأ بالاستقرار ووحدة القرار، ويمر بإعادة تأهيل الري والزراعة المطرية، وتطوير البذور، وإدارة المياه بكفاءة، وتوسيع الزراعة الذكية مناخياً، وتقليل فاقد ما بعد الحصاد، وربط الإنتاج بالتصنيع والأسواق وسلاسل القيمة.
وهنا تتجاوز الزراعة حدود القطاع الاقتصادي لتصبح قضية دولة؛ لأن الأمن الغذائي يبدأ من المزارع قبل أن يصل إلى المائدة. ولذلك فإن وضع مصلحة المزارعين في صميم السياسات والاستثمارات ليس تفصيلاً فنياً، وإنما أساسٌ لاستدامة الإنتاج؛ فالمزارع الذي لا يجد التمويل والتقنية والسوق العادل، لا تستطيع الدولة أن تطلب منه وحده صناعة أمنها الغذائي.
أما وحدة السودان، فهي ليست قضية سياسية منفصلة عن الاقتصاد؛ إذ لا يمكن بناء سياسة زراعية طويلة المدى في بيئة تتعدد فيها مراكز القرار وتضطرب فيها المؤسسات. فالوحدة تمنح الدولة القدرة على التخطيط، والاستقرار يمنح الاستثمار الثقة، والمؤسسات تحول الخطط إلى مشروعات، والمشروعات إلى إنتاج.
والقرن الأفريقي نفسه لم يعد يحتمل مقارباتٍ تعزل الغذاء عن الماء، أو الزراعة عن التجارة، أو المناخ عن التنمية. فالتعاون الإقليمي في البذور والمياه والتقنيات والأسواق وسلاسل القيمة يمكن أن يجعل من الزراعة جسراً للمصالح المشتركة والاستقرار.
لقد آن للسودان أن ينتقل من الحديث عن كونه بلداً يمتلك مقومات «سلة غذاء» إلى بناء منظومة تجعله منتجاً حقيقياً للأمن الغذائي؛ فالأمم لا تنهض بما تملكه من إمكانات، وإنما بما تحسن تحويله إلى واقع.
والأرض السودانية لا ينقصها العطاء؛ ما ينقصها أن تجتمع حولها إرادة الدولة، وعلم الخبراء، وخبرة المزارعين، واستقرار المؤسسات.
فالوحدة بذرة، والاستقرار ماء، والعلم تربة، والعمل رعاية، والحصاد وطنٌ يطعم أبناءه ويسهم في أمن محيطه.
وحين تلتقي وحدة الوطن بخصوبة الأرض، لا يكون الحصاد محصولاً فحسب، بل اقتصاداً أقوى، وغذاءً أكثر أمناً، ودوراً إقليمياً يستعيد للسودان مكانته في قلب القرن الأفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى