موسى داؤد يكتب : قمة العلمين.. حين تتحدث الجغرافيا بلغة السياسة

لم تكن قمة العلمين الرباعية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال مجرد لقاءٍ تشاوري عابر؛ فاجتماع هذه الدول الأربع، في هذا التوقيت، يحمل رسالةً تتجاوز حدود الدبلوماسية إلى عمق الأمن والسياسة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فالجغرافيا التي جمعت هذه الدول ليست مجرد حدودٍ صامتة على خريطة، وإنما فضاءٌ استراتيجي تتعانق فيه طرق التجارة، وتتقاطع عنده أمنيات الملاحة، ومصالح الشعوب، وأطماع القوى الإقليمية والدولية.
ولعل أبلغ ما في القمة وأعمقه دلالةً، تأكيدها على احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم مؤسساتها الوطنية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. وهي رسالةٌ بالغة الأهمية في إقليمٍ أضناه النزاع وأنهكته التدخلات؛ إذ إن الدولة حين تضعف تتسع في جدارها شقوق الفوضى، وحين تخبو هيبة المؤسسات تصبح السيادة نفسها عرضةً للمساومة.
أما البحر الأحمر، فلم يعد مجرد ممرٍ مائي تعبره السفن، بل غدا أحد مفاتيح الأمن الإقليمي والدولي. ومن ثم فإن التأكيد على أمنه وحرية الملاحة في خليج عدن ومضيق باب المندب يعني أن دول المنطقة بدأت تدرك أن أمنها لا يُصان فرادى، وأن الاستقرار الذي يُستعار من الخارج لا يلبث أن يكون عبئاً على أهله.
والأهم أن القمة لم تحصر رؤيتها في الأمن وحده، بل قرنت الأمن بالتنمية والتكامل الاقتصادي والطاقة والتجارة والبنية التحتية؛ وهي معادلة لا يخطئها بصير، لأن السلام الذي لا تسنده التنمية يظل ظلاً قصيراً، والأمن الذي لا يجد في الاقتصاد ما يحميه سرعان ما تعبث به الأزمات.
وبالنسبة للسودان، فإن القمة تحمل دلالةً خاصة؛ فموقعه على البحر الأحمر يجعله طرفاً أصيلاً في كل ترتيبات إقليمية تتصل بأمن المنطقة واستقرارها. ولذلك فإن حضوره ليس مجرد مشاركةٍ دبلوماسية، وإنما تأكيد على أن استقرار السودان ليس شأناً معزولاً عن محيطه، بل هو جزءٌ من استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
إن قمة العلمين قد لا تصنع وحدها واقعاً جديداً، لكنها تفتح نافذةً مهمة نحو إقليمٍ يتحدث عن أمنه بأصوات دوله، لا بأصوات الآخرين.
فحين تتوافق الدول على السيادة، وتلتقي على الأمن، وتفتح أبوابها للتجارة والتنمية، تصبح الجغرافيا جسراً بين الشعوب، ويغدو البحر طريقاً للسلام، لا مسرحاً لصراعات النفوذ.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق لقمة العلمين:
أن أمن البحر الأحمر يبدأ من احترام سيادة دوله، وأن سلامها لا يكتمل إلا حين تتحول الجغرافيا المشتركة إلى مصالح مشتركة.








