د. شنان محمد الخليل يكتب : عدت ياعيدي بدون (بروش)!!

قبل ان نعي أن العيد فرحة بإكمال العبادة وتمام النسك كان العيد عندنا طقوس تجديد وترتيب ونقطة انطلاق جديدة…
فمنذ الصغر ارتبط مقدم العيد عندنا بالاستعداد والترتيب قبل عدة ايام عندما يقوم العم شاهين رحمه الله بإحضار (الكراكة) من البلدية لتقوم بتجريف وتسوية الميدان شمال مسجد عمر بن الخطاب باركويت مربع 44 وهي عملية كانت تشدنا إليها للعمل الهندسي الجبار الذي كان يتم في ذلك الميدان… والذي تحور لعدة مسميات كان آخرها ملعب فريق نجمة اركويت ثم اصبح ميدان النجمة ثم ميدان البيعة بعد ان تمت فيه اول بيعة للإنقاذ عام 1991 م بحضور الرئيس الايراني هاشمي اكبر رفسنجاني… المهم… كانت عملية التسوية التي تزيد على الساعة ثم عملية رش الميدان بالمياة بواسطة عربة الإطفاء ثم تخطيط الميدان بالجير لضبط اتجاه القبلة… كل ذلك يتم بواسطة تيم من اعمامنا الاماجد في لجنة المسجد تحضيراً ليوم العيد…
وفي صباح يوم العيد يتم صف البروش المصنوعة من سعف النخيل قبل ان تختفي تلك البروش وتحل مكانها مفارش البلاستيك… كان الاستيقاظ في صبيحة العيد له طعم ونشوة… وانت تحتضن الملابس الجديدة في انتظار الصباح… وعلى اصوات التكبير والتهليل تنطلق خطانا رفقة الآباء صوب المصلى… فرحةً ما بعدها فرحة… وخطبة وصلاة وتلاقي ثم عودة بطريق غير الذي جئنا به… نمر على منازل الحي ندخلها بيتاً بيتا…نبدأ من (حلة حمد) ود العطا ثم شارع افريقيا ثم (حلة خوجلي) تيمنا بعمنا ميرغني خوجلي نبارك العيد وناخذ المعروض ونغادر… رحلةً في الزمان والمكان تستغرق منا عدة ساعات وتستغرق الحي كله …
تقابل فيها الكبار والصغار… عمنا عباس علي الفكي… عمنا ابّا حامد خليل…الخالة عائشة الشايقية… الحاجة عجايب واخواتها …الحاجة عائشة بت حمد…عمنا جعفر بخيت… عمنا مصطفى ابوحجل… ميرغني خوجلي… صالح عشميق…
عمنا ود العطا… وغيرهم ممن رحلوا عن دنيانا الفانية في قائمة تطول وتطول… كل الابواب مفتوحة… وكل القلوب مفتوحة… فالناس هنا اصبحت العلائق بينهم جيرة وعشرة سنين امتدت جذورها وتلاقت فوق الارض وتحتها… فللعيد هناك طعم ومذاق خاص…
وهذا الطعم نفتقده هنا في البعيد… فهذا هو عيدنا الخامس بعيداً عن اركويت… العيد الاول في المجاهدين و الثاني في مدني وعيد في نزلة السمان وعيد في بولاق الدكرور وعيد في كفر نصار…
اين (البروش) والترحاب ولمة الناس للفطور؟!
اين فطور العيد في الطرقات… وامام المنازل وتحت الاشجار؟!
أين من عيني هاتيك المجالي؟!
اين تلك الاعياد التي تسربت من اعمارنا بلا طعم؟!
كلها اعياد بلا طعم ولا لون ولا رائحة… ولكن الأمَرّ فيها هو طعم الفقد العظيم لأحباب كرام كانوا ملء السمع والبصر والروح… انتقصت الحلة من اطرافها برحيلهم… العم سيف الدين السنوسي… العم صديق عبدالرحمن… جعفر بخيت… عوض محمد عبدالله… عبدالله اب كرة…الاخ طارق عمر مصطفى… الابن علي دينار… الحاجة محاسن عثمان… جارة في مقام الام الخالة زينب شريف… الخالة مدينة صالح… الخالة آسية… الخالة خدوم.. الاخت اشتياق ابوصلاح…
برحيل هؤلاء الكرام اصبح مربع 45 حزيناً وكأن (زواية 45) اصبحت زاوية (حادة) لفقدها تلك الكواكب الدرية التي كانت تتحلق حولها …
وعلى الصعيد الشخصي افتقد في مربع 43 الوالدة زينب عبد الهادي و العم محمد صالح وداعة والخالة سعاد سنجة…
اللهم ببركة هذه الايام المباركات نسألك يا الله ان تعيدنا لوطننا وديارنا سالمين غانمين وأن تغفر لمن مضى من احبابنا …
يازمن هل من عودة هل؟!
*د. شنان محمد الخليل*
*القاهرة*
الأحد 30 مارس 2025 م
30 رمضان 1446 هـ.








