رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :فرز الصفوف

اليوم، ونحن نرى بشاير النصر تلوح في الأفق، لا بد من إجراء جرد حساب دقيق حول مواقف كل الأطراف التي لعبت دورًا في مسار الحرب التي هزّت البلاد. فقد جاء الوقت للفرز بين من كانوا في الصفوف الأولى في مواجهة التمرد، ومن دقوا طبول الحرب، ومن وقفوا في الحياد، ومن نشروا الشكوك والإشاعات، ومن خانوا العهد وتواطأوا مع الأعداء.

من الذين دقوا طبول الحرب؟

بدأت الأزمة بتصاعد أصوات قلة من الناشطين الذين أرادوا أن يفرضوا على الشعب السوداني قبول ما أسموه بالاتفاق الإطاري، وهددوا بأنه إذا لم يقبل الشعب به فإن الحرب لا محالة. ودقوا طبول الحرب واستظهروا بمليشيا الجنجويد لترويع الشعب. ووافق ذلك نية مبيّتة في نفس حميدتي، فحشد وخطط ودبر ونفذ. هؤلاء سعوا وراء مصالحهم الشخصية أو الحزبية على حساب وحدة الوطن وأمنه، ورأوا في الحرب وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو سلطوية، فاستخدموا وسائل الإعلام والمنابر لتشجيع الفوضى والصراع. كانوا يذكون نار الفتنة، ويغذونها بالدعاية، ما أدى إلى تفجير الوضع إلى حرب شاملة، دون اعتبار لدماء الشعب ومصير الوطن.

من الذين تصدوا للتمرد من أول يوم؟

في المقابل، كان هناك من تصدوا للتمرد منذ اليوم الأول، ولم يتراجعوا عن دعم الجيش الوطني. هؤلاء هم من صمدوا في الميدان، وقدموا الدماء والجهد للدفاع عن الوطن. رغم كل الصعوبات والتهديدات، كانوا في الصف الأول لمواجهة التمرد. وشمل أولئك الجيش والأمن ومن وقف معهم من القوى الوطنية المخلصة الذين كان لهم دور حاسم في إيقاف تقدم المتمردين، وبفضلهم تحقق الكثير من الانتصارات على الأرض.

من الذين شككوا في قيادة الجيش؟

وبينما كان الجيش يتلقى الصدمة الأولى ويستجمع قوته لمواجهة التمرد، كانت هناك أصوات تشكك في قيادة الجيش وتوجهاته. هذه الأصوات، التي انطلقت من جهات متعددة، ركزت على الانتقادات اللاذعة ضد القيادة العسكرية، واتهمتها بالتباطؤ والتخاذل أو سوء الإدارة. ورغم أن بعض هذه الانتقادات قد تكون من باب الحرص على مصلحة الوطن في بعض الأحيان، إلا أن توقيتها وأسلوبها كانا يعكسان موقفًا هدامًا لم يقدم حلولًا بنّاءة في تلك اللحظة الحساسة.

من الذين خذّلوا المجاهدين؟

وفي ذات السياق، نجد أن هناك من خذّلوا المجاهدين الذين كانوا يتصدون للتمرد في الميدان. هؤلاء بثوا الشكوك والإشاعات، واستخدموا وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي لنشر الأكاذيب، ما أوشك أن يؤثر سلبًا على معنويات القوات المسلحة والقيادة السياسية. البعض منهم استغل الوضع للتشكيك في النوايا والأهداف، ما أدى إلى إضعاف الروح المعنوية بين بعض المقاتلين الذين كانوا في أوج التحدي.

من الذين شغلوا الناس بالجدل في مواضيع هامشية؟

في خضم المعركة الكبرى التي خاضها الشعب السوداني وجيشه ضد التمرد، لم يتوانَ البعض عن إشغال الرأي العام بجدالات عقيمة حول مواضيع هامشية لا تخدم إلا أعداء الوطن. فبينما كانت المدن تُدمَّر، والأبرياء يُقتلون، والنساء يُغتصبن، انشغل هؤلاء في جدل بيزنطي حول “من أطلق الرصاصة الأولى؟”، وكأن الإجابة عن هذا السؤال ستغيّر واقع الحرب أو تعيد الحقوق إلى أصحابها.

كما حاول البعض تصوير الصراع على أنه “حرب بين الجنرالين”، وكأن القضية مجرد خلاف شخصي بين البرهان وحميدتي، متجاهلين حقيقة أن ما حدث كان تمردًا مكتمل الأركان استهدف مؤسسات الدولة، واستباح أرواح المواطنين، وسعى لإقامة نظام موازٍ بالقوة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعالت أصوات تدّعي أن الحرب كانت “مؤامرة إسلامية” لإعادة النظام السابق، في محاولة مكشوفة لصرف الأنظار عن المليشيا المتمردة التي نفذت الانقلاب الحقيقي. كان الهدف من هذا الطرح تبرير وجود قوات الدعم السريع، وتحويل النقاش من جوهر الأزمة—وهو تمرد مسلح ضد الدولة—إلى صراع أيديولوجي مفتعل، يُستخدم لتمزيق الصف الوطني وإضعاف الجبهة الداخلية.

لقد كان هؤلاء جزءًا من معركة التضليل الإعلامي التي هدفت إلى تشتيت انتباه الشعب، ومنع تكوين موقف وطني موحد خلف الجيش. لكن الحقائق على الأرض كانت أوضح من أن تحجبها هذه الادعاءات، فقد رأى السودانيون بأعينهم من الذي نهب بيوتهم، ومن الذي هجّرهم، ومن الذي دافع عنهم.

من الذين دعوا للتدخل الأجنبي؟

وفي لحظة حاسمة، تزايدت الدعوات إلى التدخل الأجنبي، حيث طالبت بعض القوى بتدخل قوات حفظ السلام الدولية واستنجدت بالدعم الخارجي، بحجة أنه الحل الأمثل لحماية المدنيين أو تقديم المساعدات الإنسانية. ومثل تلك الدعاوى التي في ظاهرها الرحمة، كانت في باطنها تهديدًا للسيادة الوطنية، إذ أنها كانت تُسهم في تقسيم البلاد وخلق مناطق نفوذ لأمراء الحرب كما جرى في ليبيا والعراق وسوريا.

من الذين شاهدوا جرائم التمرد وأصابهم الخرس في إدانتها؟

وفي الوقت الذي كانت فيه جرائم التمرد تتفاقم قتلًا واغتصابًا وتدميرًا وتهجيرًا أينما حلت قواتهم في زالنجي والجزيرة والنيل الأبيض، كان رافعو شعار “لا للحرب” يغضون الطرف عن إدانتها، وقد أصابهم الخرس في موقفهم من هذه الجرائم. لم يرتفع صوتهم لإدانة الأفعال الوحشية، مما جعلهم في نظر الشعب السوداني متواطئين بشكل مباشر مع المعتدين.

من الذين دعموا التمرد بالمال والسلاح والرأي؟

وبينما كان الجيش يواجه المتمردين على الأرض، كان هناك حفنة من الأشرار، على رأسهم حكومة إمارة أبو ظبي، دعموا التمرد بكل الوسائل المتاحة: المال، والسلاح، والدعاية الإعلامية. هؤلاء لم يقتصر دورهم على دعم التمرد ماديًا فحسب، بل قدموا له الشرعية عبر وسائل الإعلام، وحرّضوا على استمرار القتال.

من الذين تخابروا مع دول الجوار؟

على هامش الصراع الداخلي، كان هناك من تخابروا مع دول الجوار، وظنوا أن الدعم الخارجي سيكون حلًا سريعًا للأزمة. بعض القوى حاولت بناء تحالفات خارجية، رغم ما تحمله تلك التحالفات من مخاطر على السيادة الوطنية. كان هذا التوجه بمثابة طعنة في ظهر الوطن، إذ أسهم في زيادة التوترات الدبلوماسية بين السودان وتلك الدول وخلق فتنًا وعداوات بين السودان وجيرانه، إذ انخدع أولئك الجيران وظنوا أن النصر سيكون حليف المرتزقة.

من الذين قالوا لا للحرب؟

وأخيرًا، نجد أن هناك من قالوا لا للحرب من البداية، وهم من عارضوا الحرب بشدة، داعين إلى الحلول السلمية. هؤلاء لم يروا الحرب إلا أنها كارثة لا محالة، وكانوا يعتقدون أن الوطن يجب أن يتجنب الصراع العسكري بأي ثمن. ومهما يكن من أمر، فالله وحده يعلم النوايا. ومع ذلك، لم يقدم هؤلاء حلولًا عملية للوصول إلى السلام، إذ كيف تقف الحرب والمليشيات ماضية في التمادي احتلال بيوت الناس واستهداف الآمنين بالقصف العشوائي؟ لقد فعل الجيش خيرًا إذ لم تنطلِ عليه لعبة “لا للحرب”.

الخاتمة

لقد حان الوقت لإجراء فرز الصفوف، وأن نعرف أين كان كل منا قبل الحرب وأثناءها. إن هذه الفترة من جرد الحساب هي التي ستساعدنا على بناء سودان جديد يعتمد على الحق والعدالة، ويبتعد عن المصالح الحزبية والشخصية التي أسهمت في تأجرار هذه الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى