بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : مستحقات السودانيين بين الحق والتنازل

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لم تعد الأزمات في البلاد مقتصرة على النواحي الأمنية، بل تمددت لتشمل عمقًا اقتصاديًا واجتماعيًا خطيرًا، أبرز مظاهره تراكم المستحقات المالية للمواطنين لدى الدولة والقطاع الخاص على حد سواء. هذه المستحقات لا تمثل مجرد أرقام محاسبية، بل تعبّر عن حقوق قانونية وأخلاقية، وأمل الكثيرين في تجاوز محنتهم المعيشية.
وفي ظل انعدام الموارد المالية والخلل الذي أصاب الجهاز الإداري للدولة، تبدو الحاجة ماسّة إلى رؤية وطنية شاملة تعالج هذه المستحقات بطريقة لا تعطل جهود إعادة التعمير، ولا تتجاهل في ذات الوقت الحق الفردي لكل مواطن. ويطرح هذا المقال مداخل متعددة لمعالجة هذه القضية، من بينها مبادرة طوعية جريئة وهي التنازل عن المستحقات كجزء من مساهمة المواطنين في إعادة بناء الوطن.
عند النظر في تصنيف المستحقات وأنواعها، نجد أنها تشمل المستحقات المتراكمة، وفي مقدمتها رواتب ومخصصات متأخرة لموظفي الخدمة المدنية منذ منتصف عام 2023، علاوة على حقوق متقاعدي الدولة الذين لم تصلهم معاشاتهم منذ توقف النظام المصرفي جزئيًا بعد مايو 2023. وهناك أيضًا مستحقات الموردين والمقاولين الذين تعاملوا مع الدولة قبل اندلاع الحرب ولم يستلموا مستحقاتهم.
تُضاف إلى هذه القائمة تعويضات المتضررين من الحرب، والتي أطلقت الحكومة تصريحات متعددة بشأن عزمها على تنفيذها بعد أن تضع الحرب أوزارها. كما أن هناك ديونًا مستحقة للعاملين في القطاع الخاص نتيجة توقف النشاط الاقتصادي بعد أبريل 2023، فضلًا عن حقوق أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذين تضرروا منذ بداية الأزمة وحتى الآن.
لكنّ تسوية هذه المستحقات تواجه عدة تحديات، أولها فقدان السجلات، خاصة بعد تدمير عدد كبير من المقرات الحكومية والبنوك والمؤسسات التجارية والصناعية في العاصمة الخرطوم ومدن الجزيرة ودارفور خلال سنتي الحرب. ويتمثل التحدي هنا في كيفية استعادة المعلومات الإدارية والمحاسبية الخاصة بالعاملين.
أما شح الإيرادات، فهو المعضلة الأكبر التي تواجه الحكومة والقطاع الخاص على حد سواء. ولا يخفى على أحد ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في البلاد بعد توقف الإنتاج وانكماش التحصيل الضريبي منذ منتصف 2023، ما أدى إلى عجز شبه كامل في الوفاء بالالتزامات المالية.
أول مداخل المعالجة هو الحصر والتدقيق لتحديد المستحقين ومقدار مستحقاتهم، ويتم ذلك عبر لجان حيادية تحت إشراف السلطة القضائية والشرطة، يلي ذلك جدولة السداد على مدى زمني لا يزيد عن ثلاث سنوات، بما يضمن الإنصاف دون إرباك اقتصادي.
يمكن كذلك إصدار شهادات مالية باسم “صكوك الدين الوطني” كأداة اقتصادية بديلة عن السداد النقدي، تتيح للمواطن استخدام حقه المستقبلي في إطار منظم، أو تداول هذه الصكوك داخل السوق الثانوية، مما يضفي مرونة على الاقتصاد ويحافظ على القيمة المعنوية للمستحق.
ومن المقترحات التي تستحق النظر دعوة المواطنين المقتدرين للتنازل الطوعي عن مستحقاتهم، كخيار وطني تضامني، ويمكن إطلاق مبادرة باسم “حقّي للوطن”، وهي مبادرة طوعية تشجع المواطنين والمؤسسات على التنازل عن بعض مستحقاتهم لصالح “صندوق وطني لإعادة التعمير” يدار بشفافية من لجنة مستقلة، ويوجه إلى مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمياه.
ومن أهم خصائص هذه المبادرة أنها طوعية تمامًا، لا يُجبر فيها أي مواطن على التنازل، بل يُكافأ كل من يفعل ذلك بتسجيل اسمه في لوحة شرف وطنية، كما يمكن إصدار “وسام إعادة التعمير” كمكافأة رمزية تعكس تقدير الوطن لتضحيات أبنائه.
في هذا السياق، يمكن استلهام عدة تجارب دولية، منها تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، حيث أُطلقت مبادرة “أوموغاندا” (Umuganda) وهي يوم عمل تطوعي شهري شارك فيه المواطنون لإعادة بناء الدولة، وهي مستمرة حتى اليوم. أما في ألمانيا، فقد أُطلقت “خطة مارشال” في عام 1948 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجمعت بين التمويل الخارجي والمساهمة الداخلية، بما في ذلك تأجيل صرف المستحقات الخاصة. وفي جنوب إفريقيا، أُنشئ “صندوق التنمية المجتمعية” بعد زوال النظام العنصري عام 1994، وشُجّع القطاع الخاص على تقديم دعم مالي طوعي لتقليل الفجوة الاجتماعية. أما لبنان، فاعتمد بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف في أكتوبر 1989 على سياسة “الصكوك المؤجلة”، حيث تم تأخير دفع مستحقات المقاولين، بينما ساهم رجال أعمال في إعادة الإعمار، وعلى رأسهم رفيق الحريري الذي موّل جزئيًا إعادة تأهيل وسط بيروت.
الآثار الإيجابية للتنازل الطوعي متعددة، فهو يوفر موارد محلية فورية للدولة لبدء مشاريع حيوية دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي المرهق، ويخلق شعورًا بالمواطنة الفاعلة والمسؤولية الجماعية، كما يقلل من التوتر الاجتماعي الناجم عن الشعور بالتمييز أو الإقصاء، فضلًا عن مساهمته في المصالحة الوطنية عبر إشراك الجميع في مشروع موحد.
مرة أخرى، لا أدعو في هذا المقال إلى أن يُطلب من المواطن السوداني أن يتنازل عن حقه، بل أن يُشارك في إعادة صياغة علاقة جديدة مع الدولة، علاقة لا تقوم فقط على المطالبة، بل على المشاركة في المسؤولية والمصير. بين مطالبته بحق مشروع، واستعداده للتضحية بجزء منه لصالح أجيال قادمة، يخطّ السودانيون مستقبلًا جديدًا على أنقاض الخراب.
إننا نعيش لحظة مفصلية: إما أن نغرق في المطالب الفردية المؤجلة، أو نرتقي بالتفكير الجماعي لبناء وطن نكون كلنا مشاركين في نهضته من جديد.








