رأي

موسى داؤد يكتب : شمس الدين كباشي.. نجم القيادة المتوهّج في سماء الكرامة السودانية

وُلد الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم شنتو في عام 1961 بقرية “أنقاركو”، جنوب مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، في بيت عسكريّ الملامح والهوى، حيث شبَّ وترعرع على مبادئ الانضباط والعزيمة والشرف، مُستلهمًا من والده – الجندي في صفوف اللواء الهجانة بالقوات المسلحة السودانية منذ العام 1955 – روح الفداء والإخلاص حتى آخر رمق.

مسيرة علمٍ محفوفة بالإصرار والنباهة

توزعت محطات تعليمه بين ربوع السودان، متنقلاً بين أنقاركو، الدلنج، بابنوسة، المندل، الحمادي وتلودي، تبعًا لطبيعة عمل والده، غير أن هذه الرحلة لم تكن شتاتًا، بل كانت مراسًا صقل إرادته، وجعلته صلب العزيمة، نافذ البصيرة. أتم دراسته المتوسطة في هبيلا وهيبان، واختتم الثانوية في مدرسة تلودي بكادوقلي، حيث بزغت أنجم ذكائه وتفتحت بصيرته، وكان واضحًا منذ بواكير شبابه أن هذا الفتى سيكون له شأن في مضامير الرجولة والقيادة.

الكباشي.. وجهٌ ساطع في السياسة والعسكرية

عقب سقوط نظام البشير في 2019، برز اسم شمس الدين كباشي في قلب المعادلة الانتقالية، متحدثًا رسميًا باسم المجلس العسكري، ثم عضوًا بالمجلس السيادي، وكان أحد العقول المدبّرة لمفاوضات سلام جوبا، والتي خاضها بحنكة السياسي ونباهة المحارب، فكان صوته صوت العقل، وحضوره حضور الدولة، ورؤيته رؤية وطنٍ يسعى إلى خلاصه من وحل الصراع.

عقلٌ استراتيجي وقلبٌ ميداني لا يهاب

لم يكن كباشي ضابطًا فحسب، بل كان قائدًا استثنائيًا، يُجيد قراءة خرائط الميدان كما يقرأ صفحات التاريخ. منذ دخوله الكلية الحربية، بزّ أقرانه، وكان أول دفعته في الدفعة (32) ، حيث وصفه الفريق محجوب عمر بأنه كالغيث، أينما هطل عمّ نفعه. وفي سنار، عندما قاد الفرقة 17، أحبّه الشباب، وطبعت صورته على قمصانهم، فكان القائد الذي يسكن القلوب، لا المعسكرات وحدها. ووصفه القائد إبراهيم نايل إيدام بأنه “نابغة ذكي” قلّ نظيره، وأجمعت شهادات القادة على تفرّده في الفكر والقيادة.

صوت العزيمة في وجه العاصفة

حين اندلعت نيران الحرب التي فجرتها ميليشيا الدعم السريع في 15 أبريل 2023، لم يتوانَ كباشي لحظة في الدفاع عن شرف الوطن. كان بين الرجال الذين ثبتوا في مبنى القيادة العامة، وقاد المعركة من الصفوف الأمامية، لا من مكاتب النأي والانزواء. وفي 19 مايو 2023، حينما كُلّف نائبًا للقائد العام للقوات المسلحة، تولّى الإشراف على جبهات القتال من القضارف شرقًا إلى الأبيض غربًا، مرورًا بـمدني، سنار، النيل الأبيض، وجبال كردفان ودارفور. وكان في كل محورٍ، نداءُ نصرٍ يخرج من بين شفتيه، وعلمُ السودان يُرفرف عاليًا كراية لا تنكسر.

وعيٌ بالمؤامرة.. وبصيرة نافذة لا تنام

ما كان القائد شمس الدين كباشي غافلًا عن دهاليز التآمر، فقد أدرك منذ فجر الأحداث أن هناك مشروعًا إرهابيًا تُحاك خيوطه على جسد الوطن، وأن ميليشيا حميدتي ما هي إلا رأس أفعى تسعى لابتلاع البلاد. تصدى لهذه المؤامرات بشجاعة فكرية وبصيرة وطنية ثاقبة، فكان كاشفًا للزيف، وناحرًا للدجل، وسيفه الكلمة الحرة التي لا تُشترى، ولسانه مرآة لضمير الأمة. حاولوا اغتيال صورته، فخابت رماحهم، إذ كيف تُحجب الشمس بغربال؟

رهانه على الشعب.. وعهده للأرض والعَرض

كان إيمان الفريق كباشي بالشعب السوداني إيمان الواثق في عزة قومه، وقدرة أبنائه على اجتراح المعجزات. خاض ملحمة الصمود والكرامة مع رفاقه من القادة والجنود، فكان في مقدّمتهم، سيفًا مشرعًا، وقلبًا نابضًا بحب الوطن، لا يساوم على ترابه، ولا يخضع لأعدائه. وفي كل انتصار، كان اسمه يهتف في الأفق، رمزًا للبطولة، وعنوانًا للثبات.

كباشي.. خلاصة المجد وضمير المرحلة

الحديث عن شمس الدين كباشي، هو حديث عن القائد الذي جمع بين صلابة الجندي وفكر السياسي، بين شجاعة الميدان وحكمة التفاوض، بين صدق الكلمة وعلو الموقف. هو أحد أعمدة الوطن في زمن التماهي، ورمز من رموز النقاء الوطني حين تنكّر الكثيرون للوطن.

له منا التبجيل، ومن شعبه المحبة والاعتزاز، ومن تاريخه المجيد صفحة ناصعة لا تُنسى.

عاش السودان حرًّا أبيًّا، ودامت قياداته الوطنية ضوءًا في ليل الفتنة، وسدًّا منيعًا في وجه العملاء والمرتزقة.

*الأستاذ موسى داؤد مساعد الرئيس الناطق الرسمي بإسم حركة تحرير السودان المجلس القيادي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى