رأي

محمد الفاضل يكتب … الجنجويد: من عمق رأس المال إلى سطح السرديات الزائفة ( ١ )

الجنجويد: من عمق رأس المال إلى سطح السرديات الزائفة

( ١ )

محمد الفاضل يكتب ✍🏽

 

📌المحرك الحقيقي للحرب

 

في عمق صحراء السودان الجرداء بولاية جنوب دارفور ، تصطف آلاف الحشود من المقاتلين، وجوههم متعبة، وعيونهم فارغة، يستمعون بخنوع لنائب قائد مليشيا الجنجويد، عبد الرحيم دقلو، وهو يبث فيهم أوهام النصر في خطبة مشبعة بالهلوسة والخداع. مشهد سريالي يتكرر أمام عدسات مصممة لتضخيم الأكاذيب وتحويل الخراب إلى انتصار، لكنه لا يقدم في الحقيقة سوى دليل إضافي على أن ما يُحرك هذه الحرب ليس العقيدة، ولا حتى الطموح السياسي، بل رأس المال ــ وتحديدًا رأس المال الإماراتي.

 

لا يمكن لأي مليشيا، مهما بلغ حماسها أو عنفها، أن تتحرك مترًا واحدًا في هذا البلد المترنح دون وجود داعم مالي كبير. وهذه الحقيقة، رغم بساطتها، تُغفل كثيرًا في التحليلات السطحية التي تركّز على “صراع السلطة” أو “التنافس بين الجنرالات”.

 

الحرب في السودان اليوم تُدار من خارج الحدود، من أبراج زجاجية، حيث تُعقد الصفقات وتُرسم الاستراتيجيات. الإمارات، تحديدًا، تُعد اليوم الممول الأكبر لمليشيا الجنجويد، ليس فقط بالأموال، بل بالشرعية أيضًا.

لقد جرى استدراج الإدارات الأهلية في دارفور ــ والتي كان يُفترض بها أن تكون صوت العقل والوسيط بين المكونات الاجتماعية ــ بالمال والوجاهة، وتحويلها إلى أدوات لتحشيد السُذّج والسطحيين من أبناء المجتمعات الهشة.

 

📌إعلام موجّه و”نافخات الكير”

 

لضمان استمرار التحشيد، لا تكفي البندقية. بل يجب صناعة رواية. وهنا يأتي دور الإعلام الموجّه، سواء من داخل السودان أو عبر حسابات وهمية ومؤثرة تُدار من الخارج.

 

يتم إغراق الإنترنت بسرديات زائفة، تلمّع صورة الجنجويد، وتصفهم بـ”الحماة” و”المنقذين”، بينما القرى تحترق، والنساء تُغتصب، والمزارع تُنهب، والحقيقة تُدفن في صحارى دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.

 

ما يجري ليس مجرد حرب على الأرض، بل إعادة تشكيل للنسيج السوداني من خلال تدمير الإنسان ــ ماضيه، حاضره، ومستقبله.

اللاعبون في هذه اللعبة لا يقتصرون على المقاتلين، بل يضمّون أيضًا كتّابًا مأجورين، رجال دين، إعلاميين، وناشطين باعوا ضمائرهم بثمن بخس. أما بقية الشعب، فقد غرق في الحيرة، أو اليأس، أو محاولات النجاة الفردية.

 

📌دُمى بلا قرار

 

من يظن أن محمد حمدان دقلو (حميدتي) أو نائبه أو حتى السياسيين المحيطين بهم يملكون قرار وقف إطلاق النار، فهو غافل أو مُغيب.

هؤلاء لا يتحكمون بشيء. بل تُسحبهم قوى المال كما يُحرك لاعب محترف حجارة الدومينو. يسقط حجر فيسقط من بعده آخر، والضحايا الحقيقيون هم أهل السودان الذين يُسحقون تحت هذه المعادلة الجهنمية.

 

📌مثلث الشر: الإمارات، الإدارات الأهلية، ونافخات الكير

 

في جوهر الصراع السوداني، هناك ثلاث قوى تشكّل ما يمكن تسميته بـ (مثلث الشر )

1. الإمارات: الممول، والمُخرج، والناشر.

2. الإدارات الأهلية: الذراع الاجتماعية الناعمة التي تزرع الطاعة والخضوع.

3. نافخات الكير :إعلاميات و (حكامات ) يُنشدن الموت ويرسمن انتصار زائف لألاف الضحايا الذين يُدفع بهم لخطوط النار !

 

📌ما بعد الانتصار: الوعي و (ميزان القوة )

 

رغم كل هذا الخراب، بدأت بوادر التحول تظهر على الأرض . ففي ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض والخرطوم، حيث استعاد الجيش السوداني السيطرة، بدأت الحياة تدب من جديد.

عاد المواطنون إلى بيوتهم، أو ما تبقى منها، وبدؤوا محاولات الترميم والبناء، بقلوب منهكة ولكن بإرادة لا تُكسر .

 

لقد أثبت هذا الانتصار أن المليشيا، رغم ما تملكه من تمويل وسلاح، لا يمكنها الصمود أمام شعب واع وجيش مُصمّم على استعادة كرامته وأرضه.

 

الحفاظ على السودان وعلى أرضه وشعبه وتراثه يكون من خلال ،( ميزان القوة والوعي ) ؛ هذا الوعي الشعبي الذي يقف اليوم سداً منيعاً أمام أطماع الإمارات ومن يقف خلفها، ويعيد تعريف الوطنية كقيمة يومية تُمارَس، لا كشعار يُباع .

 

النصر الحقيقي لن يكون فقط في ساحات القتال، بل في عقول الناس، وفي قدرتهم على التمييز بين من يريد لهم الحياة، ومن يحاول دفنهم تحت رمال المصالح الخارجية .

 

📌الوعي هو السلاح القادم

 

ما لم يتم كسر هذه الحلقة الجهنمية ــ رأس المال، الخطاب الزائف، والتحشيد القبلي ــ فإن حرب الجنجويد ضد الشعب السوداني لن تتوقف ، بل ستتحول إلى نموذج دائم لطريقة حياة يعيشون بها ؛ صراعهم دون هدف حقيقي ، لكنه يستمر فقط لإبقاء البلد في حالة استنزاف دائم، لصالح حفنة من أمراء الحرب وسماسرة الجغرافيا السياسية .

 

الحل لا يمكن أن يأتي من داخل هذا المثلث، بل من خارجه. من وعي جماعي جديد، ينبثق من رماد المدن المدمرة، من أصوات النساء الناجيات، من دموع الأمهات، ومن أقلام لم تُلوثها أموال الخليج ولا شهوة النفوذ .

 

الوعي هو السلاح القادم، وبه وحده يمكن قلب الطاولة وبه يمكن أن نبني سودان جديد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى