مقدم شرطة شهاب شمت يكتب : وداعاً معلمي ومعلم الاجيال وقائد الرجال

مقدم شرطة شهاب شمت يكتب : وداعاً معلمي ومعلم الاجيال وقائد الرجال
بلل خدنا الدمع والقلب مفجوع وموجوع يئن وتتداعى الذكريات تبكينا وتحرق قلوبنا
ويشق علي النفس ان تنعي المعلم الحبيب والصديق الأعز مبارك محمد احمد الباترا… هو اكبر من كل حروف الرثاء واعظم من جميع كلمات الحزن…
رحل ايقونة الميادين والتدريب العسكري… رحل رجل المواقف الرجولية والمدرسة المتفردة…
رحل قاحب القلب الصافي النقي النبيل الاصيل… رحل الباترا قبل ان نعانقه ونودعه ليترك فينا احزاناً تتجدد وآلاماً تتمدد… ودموعاً لا تجف…
فقدنا معلم الاجيال وأصدق الرجال فعافت النفس كل شئ واناخ الحزن بكلكله على الصدر وغزا الدواخل بلا استئذان…
استشهد مبارك محمد احمد مبارك وما كان لمثله الا ان يموت شهيداً …تمنى ذلك اول امس في تسجيله الصوتي بعد ان اصيب في بطنه فقال :(الطلقة دي ما كان تجي فوق حببببه )…
اصيب حبيب الكل اول امس فاحسسنا بالم الإصابة ووجعها على اجسادنا .
لقد أبكرت يا اسد الرجال….
وأسرجت المنون بلا سؤال…
فأججت الأسى في كل قلب…
وجارحة وما أبقيت سالي…
نعى الناعي فروّعنا جميعاً …
وجاز الجرح حد الاحتمال…
هي الأيام تغدر في شجاعاً …
سما فوق المصالح لا يبالي…
خسرنا الحلم والخلق المزكّى… خسرنا هيبة الشرطي المثالي…
فلم أتوقع المأساة أصلاً …
ولا خطرت ولا جالت ببالي…
ضياعك يا صديقي كان مرّاً…
أضاع النور في حلك الليالي…
تؤم الناس بيتك كي تعزي ….
ولكن من يعزيني بحالي…
أنا المجروح من موت تدلى… ليغدر في عزيزاً كان غالي…
إذا سلب الردى منا شجاعا… فذكره سوف يحيا في الخيال…
سيحيا في قلوب الناس فكراً… سيبقى فلذة الأكباد مالي…
سيبقى في رحاب الخلد نسراً… يحاكي مجده قمم الجبال…
يوم حزين ومن احزن الايام في حياتي فرض علينا فيه ان نطوي صفحات من الاخلاق الحميدة والصفات النبيلة والمواقف الشجاعة والتعامل السمح…
جميع من تتلمذ على يد سيد مبارك او زامله ترك فيه بصمةً لا تنمحي واثراً لايزو… ولديه معه قصص وحكايات وابتسامات لا تنتهي وكأنه يخصص كل وقته لك انت وحدك …
وانا قد نلت الحسنيين معاً كونه كان معلمي وانا طالب ثم اني عملت معه لخمس سنوات بكلية علوم الشرطة والقانون.
كان يدهش الجميع بتفانيه واخلاصه وتواضعه وادبه الجم وحضوره الدائم ولياقته العالية وتركيزه الشديد… يحضر الباترا للطابور في اصعب اللحظات شدة وفقد للمعنويات واللياقة وبكلمتين منه فقط تجد الطابور كله يبتسم وتعود له المعنويات واللياقة ويغادر قبل ان يقول (امنع الضحك يا طلبه)…
كان الباترا اخر فرسان الزمن الجميل موفور بالنشاط مملوء بالقيم مشحون بحب الوطن م (مستف رجالة)…. هكذا عرفته وانا طالب بكلية الشرطة سقانا الصمود والإقدام… وترعرعنا على يديه وهو يقف كالطود الأشم صلابة وثبات وعزيمة…
وطيلة فترة عملي بالكلية أُشهد الله تعالى انه كان يوزع ما في جيبه على اصحاب الحاجات من القوة (ويعدم حق العيش) ولي معه اكثر من ألف موقف احكي منهم فقط واحد شخصي والثاني مهني… فعند ايام نقلي الاولي للعمل بكلية الشرطة سمعني اتحدث في الهاتف مع احدهم مستفسراً عن اسعار السراير استعداداً لتجهيز بيتى واستقبال اولادي القادمين من الشمالية وقلت لمحدثي (يا زول انا داير لي سريرين بس ما عندي قروش) والشهيد يسمع من بعيد وانا والله لا اعرف انه كان يتابع المحادثة وقبل نهاية الدوام سألني (انت اجرت بيت وين يا شمت) رديت في الحاج يوسف . فقال تعال اركب في بوكس عمك صالح ده . ومن كلية الشرطة انطلقنا الى منزله بقشلاق بري وانا لا اعرف السبب . توقفنا امام منزله دخل المنزل وجاء يحمل سرير . قلت له ده شنو يا سيادك وحاولت ان امنعه فحلف يمين ان نتحرك بالسرير لمنزلي وقال لي كده قسمناها بيناتن… اتساوينا يعني … وموقف آخر مهني في أول مشروع خلوي لي معه وفي اليوم الاخير للرماية وجهني بان يوم غدٍ عصرا، انت شغال حصة ( إغارة) فقلت له يا سيادتك انا ما جاهز والحصة دي فيها جانب عملي اعفيني اذا ما تعليمات …
فرد باسماً بابتسامتة التي تميزه على خلق الله جميعاً (طيب انا قلت ليك العصر ليه …. انا بالليل ده بحفظك نظري ومن الصباح بشربك عملي واتحداك حاتشتغلها احسن مني انا ذاتي وانا بحضر الحصة من خلف الطابور اذا احتجت (لبخرة) وقد كان …شرّبني الدرس نظرياً ليلاً وعملياً صباحا واجتهد معي جداً في ذلك وحضر الحصة عصر اليوم الثاني وهو يقف خلف الطابور ويرسل لي اشارات إعجاب لا يشاهدها الطابور الجالس وبعد نهاية الحصة قال لي (قلت ليك يا معفن حاتشتغلها كويس) .
والله انا الان الان اكتب وابكي لان الموقف متجسد امامي كأنه حدث الان…
والله الذي لا اله الا هو الشهيد سيادتو مبارك هو السبب في حبنا للشرطة وكاكي الشرطة وحتى تقديرنا الخاص للدفعة ٥٢ منذ ان تخرجنا كنا نسعد جدا، عندما تجمعنا ظروف العمل باحد السادة منسوبي الدفعة ٥٢ لاننا نشاهد فيه مبارك محمد احمد مبارك …
ما كنت احسب قبل دفنك في الثرى…
ان الكواكب في التراب تغور…
ما كنت امل قبل نعشك ان ارى…
رضوى على ايدي الرجال تسير…
خرجوا به ولكل باكِ خلفه…
صعقات موسى يوم دك الطور…
والشمس في كبد السماء مريضة…
والارض واجفة تكاد تمور…
لا اتخيل ان هاتفي لن يرن مرة اخرى واشاهد الشاشة مكتوب عليها (سيد الباترا يتصل بك) وابتسم قبل ان افتح الخط ويأتي الصوت المميز . شهاب شمت خبرك يا زول.. هكذا هو يتصل ليتفقد الاحوال فقط لا غير…برحيل المبارك الباترا فقد الوطن ضابطاً حلو المعشر دمث الاخلاق مثالاً للانضباط والمهنية والاخلاص انيق الهندام معلم بحق عشق العسكرية وطوابيرها وتشكيلاتها وتفانى في تعليمها ولم يبخل بجهده وعرقه في الميادين… نبكي ونتصل لنعزي الأحباب ونقفل الخط دون كلام من يعزي من ومن يتقبل العزاء وكلنا موجوعون…
احر التعازي لجميع منسوبي الشرطة السودانية بصورة عامة على هذا الفقد الجلل وهذا المصاب الاليم العظيم
وتعازينا الخاصة للسادة في الدفعة 52 وطلابه وعارفي فضله وللعاملين بكلية الشرطة وكلية الشرطة بمبانيها وميادينها وخيلها ومخازنها وصيواناتها وتحضيراتها وثكناتها وقرقولها ومنصتها …التعازي لمعلمينا في الدفعة ٥٢ السادة (اسعد موسى برتيني دوكة وليد ساتي وليد محجوب خالد جابر هاني سر الختم وبقية العقد الفريد) لا استطيع ان اعزيكم هاتفيا .
وداعا يا من علم الرجال
والجبال الثبات
إنا لله وإنا اليه راجعون
*مقدم شرطة شهاب شمت*








