رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : سنوات منسية على مقاعد الدراسة: جيل ضائع أم فرصة للإنقاذ؟

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :

سنوات منسية على مقاعد الدراسة: جيل ضائع أم فرصة للإنقاذ؟

 

 

عندما يصبح العمر أكبر من الصف الدراسي، ويغدو التعليم حلمًا مؤجلًا… ماذا يمكن أن نفعل؟ ففي أزمنة الحرب والانهيار، لا تُقاس الخسارة فقط بعدد القتلى والجرحى، بل بما يُفقد في صمت: المقاعد الفارغة في الفصول، الكراسات التي لم تُكتب، والأحلام الصغيرة التي تحوّلت إلى عبء ثقيل على أكتاف الكبار والصغار. في السودان، كما في كثير من البلدان التي عاشت المأساة، هناك جيل كامل يعيش هذا الواقع القاسي—أطفال تجاوزوا السادسة عشرة وهم لا يزالون في الصف السادس، وشباب بلغوا العشرين دون أن تطأ أقدامهم بوابة المرحلة الثانوية.

 

هؤلاء الطلاب ليسوا فاشلين، ولا تنقصهم الرغبة في التعلّم أو الطموح، لكن الحرب باغتتهم في منتصف الطريق، اقتلعتهم من مدارسهم، وساقتهم إلى المجهول. فمنهم من نزح داخل البلاد، ومنهم من شردته القنابل إلى الملاجئ والمعسكرات، ومنهم من استيقظ ذات يوم ليجد مدرسته قد أُغلقت، أو مُعلمه قد غادر، أو والديه عاجزين عن شراء كتاب واحد.

 

وهذه ليست مجرد “حالات فردية”، بل أزمة تربوية ممتدة، تهدد مستقبل السودان بأكمله، وتدفع بأسئلة صعبة إلى السطح: كيف نعيد هؤلاء إلى دائرة التعليم؟ كيف نعوّضهم عن سنوات ضاعت قسرًا؟ وما الذي يمكن أن نتعلّمه من دولٍ واجهت نفس التحدي ونجحت؟

 

فمن هم الذين ضاعت عليهم سنوات الدراسة؟

 

تتسع دائرة المتأثرين بانهيار المنظومة التعليمية في السودان بشكل غير مسبوق، لتشمل شرائح واسعة من الأطفال والشباب، كلٌّ منهم يحمل قصته الخاصة مع الخسارة، لكن الرابط المشترك بينهم هو: الحرمان من التعليم في لحظة حاسمة من عمرهم. ويمكن تصنيفهم إلى أربع فئات رئيسية:

1. أبناء مناطق النزاع

في ولايات مثل دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق، ثم لاحقًا في العاصمة الخرطوم، أدّت النزاعات المسلحة إلى تدمير المدارس، وفرار المعلمين، وتشرّد التلاميذ. وبعد اندلاع الحرب الشاملة في أبريل 2023، قُدّر عدد الأطفال خارج المدرسة بنحو 6.5 مليون طفل، وفقًا لتقارير اليونيسف. هؤلاء لم يتوقف تعليمهم فقط، بل اختفى أفق العودة إلى الصفوف، في ظل غياب الدولة وتفكك النظام المدرسي.

2. النازحون واللاجئون

الملايين من الأسر التي اضطرت للنزوح داخليًا أو اللجوء إلى دول الجوار، مثل مصر، تشاد، جنوب السودان، وإثيوبيا، وجد أطفالها أنفسهم في بيئة تعليمية معقدة. فبعضهم اصطدم باختلاف المناهج أو اللغة، وآخرون لم يتمكنوا من دفع رسوم المدارس الخاصة، بينما بقي الآلاف دون أوراق ثبوتية، مما عرقل التحاقهم بأي مؤسسة تعليمية. وفي مصر وحدها، تشير تقديرات غير رسمية إلى وجود أكثر من 300 ألف طفل سوداني في سن التعليم، يعاني أغلبهم من انقطاع دراسي أو عدم انتظام في الحضور.

3. الأسر الفقيرة

مع الانهيار الاقتصادي، وتوقّف الرواتب في مؤسسات الدولة، وجفاف مصادر الدخل في القطاع الخاص، اتخذت العديد من الأسر قرارًا مؤلمًا: إخراج الأبناء من المدارس ودفعهم إلى سوق العمل، لتوفير الحد الأدنى من المعيشة. هذا التوجه لم يكن خيارًا بل ضرورة للبقاء، ما يعني أن التعليم تحوّل إلى “ترف” في عيون آلاف الأُسر.

4. طلاب الجامعات

انقطاع الإنترنت، توقف المحاضرات، النزوح الجماعي للأساتذة والطلاب، وانهيار البنية التحتية الجامعية—كلها عوامل عطّلت التعليم العالي في البلاد. تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 150 ألف طالب جامعي، معظمهم في جامعات العاصمة، فقدوا عاماً دراسياً كاملاً على الأقل، بينما اضطر بعضهم للالتحاق بجامعات خارجية بأسعار باهظة أو الانخراط في التعليم عن بعد بشروط غير ملائمة.

 

ما آثار هذا الانقطاع؟

• سوق العمل: تأخير دخول آلاف الشباب إلى سوق العمل يعني خسارة طاقات منتجة، وزيادة معدلات البطالة، وحرمان الاقتصاد من كوادر مؤهلة.

• القطاع التعليمي: يواجه النظام التعليمي ضغطًا إضافيًا، حيث توجد فجوات عمرية ومهارية كبيرة بين الطلاب، مما يصعّب عمليات التعليم التقليدي.

• الآثار النفسية: يشعر كثير من الشباب بالخجل أو الإحباط من العودة إلى الصفوف الدراسية بعد أن تقدمت أعمارهم، مما قد يدفعهم إلى ترك التعليم نهائيًا.

• تنامي الفاقد التربوي: استمرار هذه الظاهرة سيؤدي إلى جيل ضعيف التكوين العلمي، غير قادر على المنافسة أو المساهمة في البناء الوطني.

 

كيف عالجت دول أخرى المشكلة؟

 

1. رواندا: التعليم المسرّع لطيّ صفحة الحرب وبناء المستقبل

 

بعد الإبادة الجماعية المروعة عام 1994، خرجت رواندا من واحدة من أحلك فصول التاريخ الإنساني، وقد وجدت نفسها أمام جيل كامل من الأطفال والشباب ممن فقدوا آباءهم، ومدارسهم، وأي شكل من أشكال الحياة الطبيعية. ومن أولويات إعادة الإعمار الاجتماعي، كان التعليم.

 

أطلقت الحكومة الرواندية، بدعم من شركاء دوليين، برنامج “التعليم المسرّع” (Accelerated Learning Program)، وهو مسار خاص يدمج الطلاب المتأخرين دراسيًا في برامج مكثفة، تتيح لهم استكمال المرحلتين الابتدائية والإعدادية في فترة زمنية أقل. يتم تصميم المناهج بطريقة تراعي السن والظروف النفسية، مع توفير جلسات دعم نفسي، وتدريب المعلمين على التعامل مع الصدمات ما بعد الحرب.

 

وهذا النموذج لم يُنقذ فقط جيلاً من الأمّية، بل ساهم في تقليل الفاقد التربوي ودمج الشباب في عملية التنمية الوطنية، وهو ما جعل رواندا واحدة من أسرع الدول نموًا في أفريقيا خلال العقدين الأخيرين.

 

2. أفغانستان: التعليم المجتمعي كسلاح مقاومة في وجه الحرب

 

في ظل عقود من النزاع المزمن، تدهور التعليم في أفغانستان إلى مستويات خطيرة، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية التي لم تكن تصلها يد الدولة، ولا تغطيها المدارس الحكومية. لم تستسلم المجتمعات المحلية، بل طوّرت نمطًا بديلًا عرف بـ**“التعليم المجتمعي”**.

 

تقوم فكرة التعليم المجتمعي على فتح فصول دراسية غير رسمية في البيوت، والمساجد، ومقرات مجتمعية بسيطة، يُديرها متطوعون من أبناء المجتمع نفسه، سواء كانوا معلمين سابقين، أو خريجين جامعيين، أو حتى طلابًا أكبر سنًا. تم تصميم المناهج لتكون مبسطة وقابلة للتنفيذ في بيئات غير مدرسية، وبتكاليف زهيدة.

 

وقد دعمت منظمات مثل الـ UNICEF هذا النموذج، مما ساعد على استعادة الحق في التعليم لعشرات الآلاف من الأطفال، خصوصًا البنات، في بيئة كانت تحرمهن من الدراسة. التجربة الأفغانية تؤكد أن التعليم يمكن أن يستمر حتى في أكثر البيئات هشاشة، إذا ما تحرك المجتمع المحلي.

 

3. لبنان وسوريا: الفرصة الثانية لجيل أضاعته الحرب

 

مع اندلاع الأزمة السورية في 2011، نزح أكثر من 5 ملايين شخص إلى دول الجوار، من بينهم مئات الآلاف من الأطفال في سن التعليم. لبنان، الذي استقبل أكثر من مليون لاجئ سوري، وجد نفسه أمام تحدٍّ تربوي ضخم: كيف يمكن دمج هؤلاء الأطفال في نظامه التعليمي دون أن ينهار؟

 

الاستجابة جاءت عبر برامج “الفرصة الثانية” (Second Chance) و**“المسارات الموازية”**، والتي أطلقتها منظمات دولية مثل اليونيسيف والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالتعاون مع وزارة التربية اللبنانية. هذه البرامج موجهة للأطفال الذين فقدوا سنتين دراسيتين أو أكثر، وتوفر لهم فرصًا للالتحاق بمناهج مكثفة، أو دخول مسارات تقنية ومهنية.

 

كما تم فتح دوام مسائي خاص للاجئين في بعض المدارس الحكومية، وتقديم دعم نفسي واجتماعي للطلاب المتأثرين نفسيًا بالحرب والنزوح. هذه التجربة ساعدت على دمج أكثر من 200 ألف طفل سوري في التعليم، كما أنشأت نموذجًا للتعاون بين الدولة والمجتمع الدولي يمكن أن يُحتذى به في السودان.

 

الحلول المقترحة في السودان تتلخص في:

1. برنامج التعليم المسرّع: إطلاق مسار خاص لمن فقدوا سنوات دراسية، يدمج بين التعليم الأساسي والثانوي في مدة زمنية أقل، مع مناهج مخصصة ومرنة.

2. المدارس المجتمعية: تمكين المعلمين المحليين والمتطوعين من إدارة فصول دراسية صغيرة في الأحياء والمخيمات، بدعم من الدولة والمنظمات.

3. المنح الدراسية والحوافز: تشجيع الطلاب على العودة للدراسة من خلال تقديم منح مادية، ودعم نفسي، وتوفير الوجبات

 

4. دمج التعليم بالتدريب المهني: خاصة للذين تجاوزوا سن التعليم التقليدي، من خلال مسارات تجمع بين مهارات الحياة والعمل والتعليم الأساسي.

5. رقمنة التعليم: استثمار التعليم الإلكتروني والتعلم عبر الهواتف والأجهزة المحمولة، خاصة في المناطق التي لا توجد بها مدارس.

 

وفي الختام يمكن القول بانه ليست المشكلة في أن السنوات ضاعت، بل في أن الدولة والمجتمع لم يسعَ بعد إلى استعادتها. فكل سنة ضائعة هي ثقب في جسد الوطن، وكل طالب متروك هو مستقبل يتسرب من بين الأصابع. إن إنقاذ هذا الجيل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة، وإيمان بأن من حُرم اليوم من الدراسة، قد يكون هو من يحمل غدًا معوا البناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى