رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : كما تدين تُدان: هل أصبحت المملكة المتحدة على وشك التشظي؟

ينظر كثير من شعوب المستعمرات السابقة إلى بريطانيا باعتبارها الدولة التي رسمت الحدود، وجمعت جماعات متباينة داخل كيانات سياسية واحدة، وفصلت جماعات أخرى كانت تعيش في فضاء اجتماعي واقتصادي مشترك. كما يرون أنها اتبعت سياسة «فرّق تسد»، واستفادت من الاختلافات الدينية والعرقية والقبلية في تثبيت حكمها. وعندما انسحبت من مستعمراتها، تركت وراءها انقسامات تحولت في بعض البلدان إلى حروب أهلية وصراعات قومية ونزاعات حدودية، ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.

ومن هنا، يستدعي المشهد المثل القائل: «كما تدين تُدان». فبريطانيا، التي واجهت حركات التحرر والانفصال في مستعمراتها، تجد نفسها اليوم أمام حركات قومية داخل حدود المملكة المتحدة، تطالب باستقلال اسكتلندا، ووحدة أيرلندا، وربما استقلال ويلز. فهل اقتربت المملكة المتحدة بالفعل من التشظي؟ وهل يمكن أن تنتهي الدولة التي كانت إمبراطوريتها توصف بأنها لا تغيب عنها الشمس إلى إنجلترا وحدها؟

القنابل الموقوتة في المستعمرات السابقة

يصعب إنكار أثر السياسات الاستعمارية البريطانية في تعميق الانقسامات داخل كثير من البلدان. ففي السودان، تعامل الحكم الثنائي الإنجليزي المصري مع الشمال والجنوب بوصفهما منطقتين مختلفتين، وفرض قيوداً على الحركة والتواصل بينهما، وشجع أنظمة تعليم وإدارة متباينة. ثم اتجه، في نهاية العهد الاستعماري، إلى دمجهما في دولة واحدة، من دون تهيئة مؤسسات سياسية واقتصادية قادرة على إدارة التنوع وتحقيق المشاركة العادلة.

ومع ذلك، لا يمكن تحميل الاستعمار وحده مسؤولية الحروب التي شهدها السودان بعد الاستقلال؛ فقد أسهمت أخطاء النخب الوطنية، وضعف نظم الحكم، والفشل في إدارة التنوع والخلافات الجهوية والعرقية، إلى جانب اختلال توزيع التنمية في بلد مترامي الأطراف وشديد التنوع، في تعميق الأزمة. غير أن الإرث الاستعماري أسهم في تشكيل انقسامات سياسية واجتماعية تطورت لاحقاً إلى حرب طويلة، انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011. لكن الانفصال لم يضع حداً للصراعات، لأن رسم الحدود السياسية لا يكفي وحده لمعالجة جذور الأزمات المرتبطة بالحكم والعدالة والتنمية المتوازنة.

وفي نيجيريا، دمجت بريطانيا عام 1914 محميتي الشمال والجنوب ومستعمرة لاغوس داخل كيان سياسي واحد، خدمةً لأغراضها الإدارية والاقتصادية. وضمت الدولة الجديدة مجموعات كبيرة، من بينها الهوسا والفولاني واليوروبا والإيغبو، إلى جانب مئات الجماعات الأخرى. كما أدى اختلاف تطبيق نظام الحكم غير المباشر بين المناطق إلى تفاوتات سياسية وتعليمية واقتصادية بين الشمال والجنوب والأقاليم المختلفة.

وبعد الاستقلال، تحولت هذه التفاوتات إلى تنافس حاد على السلطة والثروة والموارد، واندلعت حرب بيافرا بين عامي 1967 و1970. واستطاعت نيجيريا الحفاظ على وحدتها، لكنها ما زالت تواجه توترات قومية ودينية وإقليمية، ونزاعات حول توزيع عائدات النفط ومكانة الأقاليم داخل الدولة الاتحادية.

أما شبه القارة الهندية، فقد شهدت، عند نهاية الحكم البريطاني عام 1947، واحداً من أكبر التقسيمات وأكثرها عنفاً في التاريخ الحديث. فقد قُسمت الهند البريطانية إلى الهند وباكستان، ورُسمت الحدود بسرعة، فانقسمت القرى والأقاليم وشبكات النقل والري، ووجد ملايين الناس أنفسهم على الجانب الذي لا يتوافق مع انتمائهم الديني. وأدى ذلك إلى نزوح جماعي وعنف واسع، بينما ظلت قضية كشمير مصدراً للتوتر والحروب بين البلدين.

ولا يمكن تجاهل مسؤولية الحركات السياسية المحلية، وتصاعد القومية الدينية، والخلافات بين حزب المؤتمر والرابطة الإسلامية؛ لكن سرعة الانسحاب البريطاني وطريقة رسم الحدود أسهمتا في تحويل الانقسام السياسي إلى مأساة إنسانية طويلة الأمد.

لذلك، يرى كثير من أبناء المستعمرات السابقة أن مشكلات بلادهم لا تنفصل عن التاريخ الاستعماري؛ إذ رسمت بريطانيا الحدود ووزعت السلطات بما يخدم مصالحها، من دون اهتمام كافٍ بما سيحدث بعد رحيلها.

بريطانيا تواجه المشكلة داخل حدودها

المفارقة أن المملكة المتحدة نفسها ليست دولة متجانسة قومياً؛ فهي تتكون من إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، ولكل منها تاريخ وهوية ومؤسسات وتقاليد سياسية خاصة.

تشكلت المملكة المتحدة عبر سلسلة من عمليات الضم والاتحاد السياسي. فقد اتحدت إنجلترا واسكتلندا رسمياً بموجب قانوني الاتحاد عام 1707، ثم أُنشئت المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا عام 1801. لكن معظم أيرلندا انفصل عام 1922، ولم يبقَ داخل المملكة المتحدة سوى الجزء الشمالي منها. وهذا يعني أن الدولة البريطانية سبق أن فقدت جزءاً من أراضيها، وأن حدودها الحالية ليست ثابتة منذ الأزل.

وازدادت النزعات القومية في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فقد صوتت اسكتلندا وأيرلندا الشمالية بأغلبية لمصلحة البقاء، لكنهما خرجتا منه بسبب النتيجة العامة التي رجحت فيها أصوات إنجلترا وويلز كفة الانسحاب. ومنذ ذلك الحين، يقول القوميون إن القرارات الكبرى المتعلقة بمستقبل أقاليمهم تُتخذ في لندن، حتى عندما تختلف إرادة سكانها عن إرادة الأغلبية الإنجليزية.

ووصلت المسألة إلى مرحلة جديدة في 14 سبتمبر 2026، عندما اجتمع في كارديف جون سويني، زعيم الحزب القومي الاسكتلندي؛ ورون أب إيورورث، زعيم حزب بلايد كمري الويلزي؛ وميشيل أونيل، نائبة رئيس حزب شين فين والوزيرة الأولى في أيرلندا الشمالية؛ وماري لو ماكدونالد، رئيسة شين فين وزعيمة المعارضة في جمهورية أيرلندا. ووقعوا مذكرة تفاهم أكدوا فيها حق شعوب اسكتلندا وويلز وأيرلندا في تقرير مصيرها، وطالبوا الحكومة البريطانية بالاستعداد لما وصفوه بالتغيير الدستوري القادم.

وقال القادة إن «زمن وستمنستر يقترب من نهايته»، وأعلنوا رغبتهم في تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والعلاقات الدولية. كما أكدوا أن مستقبل بلدانهم ينبغي أن يكون داخل الاتحاد الأوروبي، وأن حكومة لندن لا ينبغي أن تمنع شعوبها من التعبير عن إرادتها. وقد عُقد الاجتماع ووقعت المذكرة بالصفات الحزبية للمشاركين، لا بوصفها اتفاقية رسمية ملزمة بين حكومات الأقاليم. الغارديان⁠، أسوشيتد برس⁠

ومع ذلك، لا يعني هذا أن الانفصال أصبح وشيكاً؛ فالمذكرة تحمل أهمية سياسية ورمزية، لكنها لا تغير الأوضاع الدستورية والقانونية القائمة.

اسكتلندا هي الحلقة الأهم

تمثل اسكتلندا أخطر التحديات التي تواجه وحدة المملكة المتحدة. فقد أجرت استفتاءً على الاستقلال عام 2014، وصوت نحو 55 في المائة لمصلحة البقاء، مقابل 45 في المائة تقريباً أيدوا الانفصال. لكن أنصار الاستقلال يقولون إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي غيّر الظروف التي أُجري فيها الاستفتاء، وإن من حق الاسكتلنديين إعادة النظر في مستقبلهم.

ويطالب الحزب القومي الاسكتلندي بإجراء استفتاء جديد خلال السنوات الخمس المقبلة، إلا أن استطلاعات الرأي لا تظهر أغلبية كبيرة ومستقرة لمصلحة الاستقلال؛ ففي بعضها يقترب المؤيدون من نصف الناخبين، بينما يتقدم أنصار البقاء في أخرى.

وتوجد أيضاً عقبة قانونية؛ فقد قضت المحكمة العليا البريطانية في نوفمبر 2022 بأن البرلمان الاسكتلندي لا يملك منفرداً سلطة تنظيم استفتاء على الانفصال، لأن الاتحاد من المسائل المحجوزة لبرلمان المملكة المتحدة. ولذلك، يحتاج أي استفتاء قانوني جديد إلى موافقة الحكومة والبرلمان في لندن.

ولا تقتصر المناقشة على الهوية، بل تشمل أسئلة اقتصادية معقدة: ما العملة التي ستستخدمها اسكتلندا المستقلة؟ وكيف ستوزع الديون والأصول؟ وما مصير المعاشات والقوات المسلحة وموارد النفط والغاز في بحر الشمال؟ وهل تستطيع اسكتلندا العودة سريعاً إلى الاتحاد الأوروبي؟ وما تأثير ذلك في تجارتها مع إنجلترا، أكبر أسواقها؟

يرى أنصار الاستقلال أن اسكتلندا تمتلك موارد بشرية وطبيعية كبيرة، خصوصاً في مجال الطاقة المتجددة، وأنها قادرة على بناء اقتصاد ناجح بعيداً عن لندن. أما معارضوهم فيحذرون من العجز المالي، وغموض مسألة العملة، واحتمال ظهور حدود اقتصادية وتجارية جديدة مع بقية المملكة المتحدة.

أيرلندا الشمالية والطريق القانوني إلى الوحدة

تختلف حالة أيرلندا الشمالية عن اسكتلندا وويلز، لأن اتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998 وضع طريقاً قانونياً واضحاً لتغيير وضعها الدستوري. وينص الاتفاق والتشريعات المرتبطة به على إجراء استفتاء إذا رأى وزير شؤون أيرلندا الشمالية أن أغلبية المصوتين يُرجح أن تؤيد الانضمام إلى جمهورية أيرلندا. وإذا اختار سكان الشمال الوحدة، فلا بد أيضاً من موافقة سكان جمهورية أيرلندا في استفتاء آخر. اتفاق الجمعة العظيمة⁠

واكتسبت الدعوة إلى الوحدة الأيرلندية قوة جديدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ فجمهورية أيرلندا عضو في الاتحاد، بينما خرجت المملكة المتحدة منه. كما أصبح حزب شين فين، الداعي إلى إنهاء تقسيم الجزيرة، قوة سياسية رئيسية في أيرلندا الشمالية والجمهورية معاً.

لكن الرأي العام لم يصل إلى موقف نهائي ومستقر. وتتغير نتائج الاستطلاعات بحسب صياغة السؤال، والتوقعات الاقتصادية، وشكل الدولة الموحدة، ومصير الخدمات الصحية والضرائب والمعاشات. وينقسم المجتمع بين قوميين يؤيدون الوحدة، واتحاديين يتمسكون بالبقاء داخل المملكة المتحدة، وفئة وسطى قد تحدد موقفها وفق المصالح الاقتصادية والخدمات، أكثر من الهوية وحدها.

وقد تكون أيرلندا الشمالية أول جزء يخرج من المملكة المتحدة إذا حدث تغير واضح ومستمر في الرأي العام، لكنها أيضاً الأكثر حساسية بسبب تاريخ العنف والصراع الطائفي. ولذلك، يحتاج أي انتقال دستوري إلى حوار وضمانات واسعة، حتى لا يعيد فتح جراح الماضي.

ويلز أبعد عن الاستقلال

شهدت ويلز صعوداً مهماً لحزب بلايد كمري، وأصبحت الدعوة إلى تقرير المصير أكثر حضوراً في النقاش العام. ومع ذلك، لا يزال التأييد الشعبي للاستقلال أقل منه في اسكتلندا. كما استبعدت قيادة الحزب إجراء استفتاء على الاستقلال خلال ولايتها الحكومية الأولى، وركزت في المدى القريب على توسيع صلاحيات الحكم الذاتي.

وتواجه ويلز أسئلة تتعلق بحجم الموارد العامة، والاعتماد على التحويلات المالية من الحكومة المركزية، والتجارة مع إنجلترا، وقدرتها على تمويل الخدمات الأساسية إذا أصبحت دولة مستقلة. لذلك، يبدو أن هدفها القريب هو توسيع صلاحيات الحكم الذاتي وترسيخ الهوية الوطنية، لا الانفصال الفوري.

هل تتشظى المملكة المتحدة؟

رغم هذه التطورات، لا توجد استفتاءات مقررة رسمياً، ولا أغلبية شعبية حاسمة ومستقرة في الأقاليم الثلاثة تؤيد الانفصال أو الوحدة الأيرلندية. كما ترفض الحكومة البريطانية الانشغال باستفتاءات جديدة، وتقول إن أولويتها هي الاقتصاد، وتكاليف المعيشة، وتحسين الخدمات العامة.

لذلك، فإن القول إن المملكة المتحدة ستتفكك غداً، أو خلال الأشهر المقبلة، مبالغ فيه. لكن من الخطأ أيضاً اعتبار ما يحدث مجرد ضجيج سياسي؛ فقد أصبحت وحدة المملكة تعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على رضا شعوبها المكونة، لا على التاريخ أو سلطة البرلمان في لندن وحدهما.

وإذا حصلت اسكتلندا على استفتاء جديد وصوتت لمصلحة الاستقلال، فسيتعرض الاتحاد لهزة كبيرة، وقد يشجع ذلك القوميين في أيرلندا الشمالية وويلز. وإذا صوتت أيرلندا الشمالية لمصلحة الوحدة مع جمهورية أيرلندا، فسيتغير شكل المملكة المتحدة مرة أخرى.

وقد لا يحدث التفكك دفعة واحدة، بل قد يبدأ بخروج إقليم واحد، ثم تتسارع المطالب في الأقاليم الأخرى. وفي المقابل، قد تؤدي الإصلاحات الدستورية، ومنح الأقاليم سلطات أوسع، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية، إلى الحفاظ على الاتحاد في صورة أكثر مرونة.

كما تدين تُدان

قد يرى بعض أبناء السودان والهند ونيجيريا وغيرها فيما يحدث لبريطانيا نوعاً من عدالة التاريخ؛ فالدولة التي رسمت الحدود، وأدارت الاختلافات القومية بما يخدم مصالحها، وتركت شعوباً تواجه نتائج التقسيم أو الدمج القسري، أصبحت مطالبة اليوم بإدارة التعدد القومي داخل حدودها.

لكن لا ينبغي أن تتحول العبارة إلى شماتة في الشعوب البريطانية؛ فالمواطنون العاديون ليسوا مسؤولين عن قرارات الإمبراطورية القديمة. كما أن الصراعات القومية لا تنتج عن الاستعمار وحده، بل تتغذى أيضاً من سوء الحكم، وغياب العدالة، وعدم المساواة، وضعف المشاركة السياسية.

والدرس الأهم هو أن الوحدة لا تُحفظ بالقانون والقوة والتاريخ وحدها. فالدولة المتعددة القوميات تحتاج إلى اتفاق متجدد بين مكوناتها، وتوزيع عادل للسلطة والثروة، واحترام للهويات المختلفة، وشعور حقيقي بالمشاركة في القرارات المصيرية.

وهذا هو الدرس الذي تجاهلته بريطانيا في عدد من مستعمراتها السابقة، ثم تجاهلته بعض النخب الوطنية التي ورثت الحكم بعدها. وها هي تواجه السؤال نفسه داخل حدودها: هل تستطيع تحويل المملكة المتحدة إلى اتحاد طوعي عادل ومتوازن، أم تكرر الأخطاء التي تركتها وراءها في مستعمراتها؟

المملكة المتحدة ليست على وشك التشظي الفوري، لكنها تقف أمام منعطف تاريخي. فإما أن تعيد بناء الاتحاد على أساس المشاركة والعدالة والرضا الشعبي، وإما أن يأتي يوم يصبح فيه وصف «المملكة المتحدة» اسماً لدولة فرقتها القوميات التي لم تعد تقبل أن تُحكم من وستمنستر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى