رأي

محمد الفاضل يكتب : قراءة في تداعيات تفكك الدعم السريع على مشروع عبد العزيز الحلو

قراءة في تداعيات تفكك الدعم السريع على مشروع عبد العزيز الحلو .

 

م الفاضل

٥/٢٢/٢٠٢٥

 

لا أكتب من موقع سياسي ، ولا أتبنّى خطابًا حزبيًا، بل أكتب كشاهد على المسافة بين المبادئ والواقع ، فما حدث مؤخرًا في جبال النوبة ، إثر توقيع عبد العزيز الحلو اتفاقًا مع مليشيا الدعم السريع، وفتح الطريق أمام عناصرها للدخول إلى أراضي الجبال ، يشكّل لحظة مفصلية تتجاوز التكتيك العسكري إلى سؤال وجودي حول طبيعة المشروع الذي تنتمي إليه الحركة الشعبية ، وإلى من تصوغ تعاقداتها الأخلاقية .

 

جبال النوبة، تاريخيًا، لم تكن مجرد جبهة للقتال أو مساحة نزاع، بل هي واحدة من أندر النماذج في السودان التي حافظت على تماسكها الاجتماعي رغم الحصار والإقصاء. سكانها يعرفون تمامًا معنى الانضباط، قيمة الأرض، وقداسة الدم ، ولهذا فإن دخول مليشيا مثل الدعم السريع ، بما تحمله من ذاكرة دامية وسجل طويل من الجرائم والانتهاكات، يُعد اختراقًا لا يُقرأ فقط عسكريًا ، بل يُفهم كاهتزاز في بوصلة المبادئ .

 

حين وقع الحلو ذلك الاتفاق، تذرّع البعض بالضرورات العسكرية، معتبرين أن السياسة فن الممكن، وأن التكتيك لا يُقاس بالأخلاق وحدها. لكن هذا المنطق يصطدم اليوم بجدار الواقع؛ فالدعم السريع، الذي أُدخِل إلى الجبال تحت ذريعة التنسيق أو التحييد، يتفكك أمام أعين الجميع، عسكريًا وتنظيميًا، بل ويتحوّل إلى عبء على كل من اقترب منه سياسيًا وأخلاقيًا . إن المليشيا التي صُدّرت على مدى سنوات كأداة لحماية السلطة ، تسقط الآن تحت وطأة تناقضاتها، وتنحسر تدريجيًا من المشهد بعد أن انكشفت كلفتها.

 

في هذا السياق، لا بد للحلو من مراجعة قراراته. فالحركة التي ظلت لعقود تطرح مشروعًا قائمًا على العدالة، وعلى قطيعة جذرية مع المليشيات القبلية والسلطات المركزية الفاسدة، لا يمكنها اليوم أن تبرر تحالفًا ، حتى وإن كان مؤقتًا – مع كيان مثل مليشيا الدعم السريع ، هذا التحالف وإن وُلد من رحم الضغط العسكري، فإنه يولّد شكوكًا عميقة لدى قواعد الحركة ، ويدفع بسؤال الثقة إلى الواجهة ! هل لا تزال الحركة وفية لروحها الأولى؟

أم أنها وقعت في فخ الواقعية المسمومة؟

 

ما يُفهم من داخل الجبال اليوم، أن أهلها لا يفاوضون على ذاكرتهم، ولا يساومون على كرامتهم. لقد تقبّلوا لسنوات الحرمان والحصار، لكنهم لن يقبلوا بسهولة أن يصبحوا رهائن لاتفاقات غير مفهومة مع قوى كانت ، وما زالت ، تهدد حياتهم وهويتهم ، في نظر كثيرين، هذا الاتفاق شكّل خيانة رمزية لمشروع التحرر الذي بشّر به الحلو، لا لأنه تحالف مع العدو، بل لأنه أسس لسابقة خطيرة: أن تتنازل الجبال عن بواباتها ، باسم التكتيك .

 

الآن، ومع تساقط أوراق الدعم السريع، فإن الفرصة ما زالت قائمة لتصحيح المسار. بإمكان الحلو أن يستعيد زمام المبادرة، لا عبر التبرير، بل من خلال الاعتراف الضمني بأن هذا الاتفاق لم يكن ناضجًا، وأن المشروع التحرري لا يمكن أن يقوم على أكتاف المليشيات، بل على شرعية شعبية تُستمد من وجدان الناس وذاكرتهم الجمعية.

 

إن السياسة، في نهاية المطاف، ليست فقط مهارة في إدارة الصراع، بل اختبار أخلاقي دائم ، وما يجري في السودان اليوم، لا يحتمل أنصاف الحلول ، إما أن يُبنى المستقبل على ركام العسكرة والانتهاكات، أو يُصاغ من جديد على أساس العدالة والكرامة ، وجبال النوبة كما عهدناها ، لا تقبل إلا الطريق الثاني ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى