رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :السودان والاتهامات الأمريكية.. بين دبلوماسية رامافوزا وخيار المواجهة الذكية

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :السودان والاتهامات الأمريكية.. بين دبلوماسية رامافوزا وخيار المواجهة الذكية

 

في عالم تسود فيه منطق القوة على منطق القانون، كثيرًا ما تتعرض الدول الضعيفة أو الخارجة عن الفلك الغربي لاتهامات تتراوح بين حقوق الإنسان والإرهاب وتهديد الأمن الدولي او الإقليمي، وغالبًا ما تصدر هذه الاتهامات عن الولايات المتحدة الأمريكية دون تقديم أدلة كافية أو إخضاعها لتحقيق دولي نزيه. السودان، في هذا السياق، ليس استثناءً، فقد واجه على مدى العقود الماضية اتهامات وعقوبات كانت في كثير من الأحيان سياسية أكثر من كونها قانونية أو حقوقية. بدأت الولايات المتحدة في مطلع تسعينيات القرن الماضي باتهام السودان بإيواء إرهابيين، ثم أُدرج ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993، وفي 20 أغسطس 1998، قصفت إدارة الرئيس بيل كلينتون مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بصواريخ كروز، مدعية أنه يصنع مواد تدخل في صناعة الأسلحة الكيميائية، دون أن تُقدَّم أدلة واضحة، ولم يتم تشكيل لجنة تحقيق أممية حتى اليوم وعلي الرغم من تعويض الادارة الأمريكية لاحقا لمالك مصنع الشفاء إلا انها رفضت ان تعترف علنا بالخطيئة .

 

ولاحقًا، في بدايات القرن الحادي والعشرين، واجه السودان اتهامات بـ”التطهير العرقي” في دارفور، ما أدى إلى فرض عقوبات جديدة، وإحالة الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593. ومع ذلك، لم تُفتح أي محكمة دولية مستقلة للتحقق الميداني من هذه الاتهامات على نطاق شامل.

 

ولا يمكن الحديث عن الاتهامات الأمريكية للدول دون استدعاء المثال الأبرز في التاريخ الحديث: غزو العراق عام 2003. فقد ادّعت الإدارة الأمريكية حينها أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، ورفعت هذا الادعاء في مجلس الأمن الدولي، رغم غياب أي دليل حاسم من لجان التفتيش الأممية أو تقارير استخباراتية مستقلة. وباسم هذه الذريعة، شنت الولايات المتحدة حربًا مدمّرة أطاحت بالنظام العراقي، لكنها في المقابل فتحت أبواب الجحيم على الشعب العراقي، حيث قُتل مئات الآلاف، وانهارت مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج المجتمعي، دون أن يُعثر على أي من تلك الأسلحة المزعومة حتى اليوم. وقد اعترف مسؤولون أمريكيون لاحقًا أن المعلومات كانت “خاطئة” أو “مُضخّمة”، في أكبر مثال على خطورة الاتهامات غير المستندة إلى أدلة، حين تتحول إلى سياسة خارجية كارثية.

 

ومنذ تمرد مليشيا الدعم السريع علي الدولة في أبريل 2023، وتصاعد العمليات العسكرية، خصوصًا بعد استعادة الجيش السوداني لمعظم المواقع التي احتلتها المليشيا بما في ذلك الانتصارات الأخيرة بتحرير كامل ولاية الخرطوم والتمدد غربا الي كردفان، بدأت إدارة الرئيس دونالد ترامب جولة اتهامات جديدة ضد السودان. فبعد عودته من جولة خليجية شملت دولة الامارات التي كان السودان قد رفع ضدها شكري متهما إياها بمساندة المليشيا،

أعلنت الادارة الأمريكية في 22 مايو 2025 عن نيتها فرض عقوبات على السودان، وذلك بعد تحديدها أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024 خلال الحرب المستمرة ضد مليشيا الدعم السريع. تشمل هذه العقوبات قيودًا على الصادرات الأمريكية إلى السودان ومنع الوصول إلى خطوط الائتمان الحكومية الأمريكية، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بعد فترة إخطار مدتها 15 يومًا للكونغرس، أي في أوائل يونيو 2025 .

 

ومن ناحية أخرى، نفت الحكومة السودانية بشدة هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة” و”ادعاءات كاذبة”، معتبرة أن العقوبات تمثل “ابتزازًا سياسيًا” و”تشويهًا للحقائق” . وحتى تاريخ 25 مايو 2025، لم تُعلن الأمم المتحدة عن فتح تحقيق ميداني مستقل بشأن المزاعم الأمريكية.

 

استلهام تجربة الرئيس رامافوزا في رده على تنمر ترامب.

 

في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في البيت الأبيض في 21 مايو 2025، واجه الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا حملة استفزازية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عرض مقاطع فيديو مثيرة للجدل وقدم ادعاءات غير مدعومة حول “إبادة جماعية للبيض” في جنوب أفريقيا. فكيف تعامل رامافوزا مع تنمر ترامب؟

اولا: بالهدوء وضبط النفس؛ فرغم الأجواء المشحونة، حافظ رامافوزا على هدوئه، مؤكدًا أن “معظم ضحايا الجرائم في جنوب أفريقيا هم من السود”، ومشيرًا إلى أن “هذه قضايا نحن مستعدون لمناقشتها معكم”.

ثانيا: بالرد بالحقائق؛ حيث رفض رامافوزا مزاعم “الإبادة الجماعية للبيض”، موضحًا أن العنف في البلاد يستهدف جميع الفئات، وأن الجرائم غالبًا ما تكون بدوافع جنائية وليست سياسية.

ثالثا: بالاستعانة بشخصيات جنوب إفريقية بارزة؛ حيث ضم وفد رامافوزا شخصيات بارزة مثل الملياردير يوهان روبرت ولاعبي الغولف إيرني إلس وريتييف غوسن، الذين دحضوا مزاعم ترامب، مما أظهر تنوع المجتمع الجنوب أفريقي والتزامه بالديمقراطية الدستورية.

رابعا: بالتأكيد على السيادة الوطنية؛ ففي خطاب لاحق، شدد رامافوزا على أن جنوب أفريقيا “لن تُرهب” وستدافع عن مصالحها الوطنية وسيادتها وديمقراطيتها الدستورية.

 

وفي ضوء هذه التجربة الجنوب أفريقية، يمكن للسودان أن يبني استراتيجية دبلوماسية متكاملة لمواجهة الحملة الأمريكية الجديدة، تقوم على خمسة محاور رئيسية هي:

 

أولًا: تفكيك الاتهامات بالأدلة لا بالإنكار. اذ يجب أن يعلن السودان ترحيبه بتحقيق دولي شفاف ومحايد، بإشراف الأمم المتحدة أو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وأن يُبدي استعداده الكامل للتعاون الفني والقانوني. هذه المبادرة تعكس الثقة بالنفس وتُحرج الطرف الآخر إذا ما تهرّب من المشاركة.

 

ثانيًا: مخاطبة الرأي العام العالمي لا واشنطن وحدها: فلا يكفي الرد على واشنطن عبر المذكرات الدبلوماسية، بل يجب أن يتجه السودان إلى الإعلام الدولي، والصحف المؤثرة (مثل نيويورك تايمز، الغارديان، لوموند، دير شبيغل)، ويطرح روايته بالأدلة والحقائق الميدانية، كما فعل رامافوزا الذي تحدث بلغة مدنية عقلانية خاطب فيها القيم الغربية ذاتها.

 

ثالثًا: إنتاج سردية وطنية جامعة ومتماسكة؛ وينبغي تحصين الخطاب الداخلي من الانقسام. فحين تنشطر النخب في الداخل إلى مؤيد للاتهامات ومعارض لها بناءً على حسابات سياسية، تضعف الحجة الوطنية. السودان يحتاج اليوم إلى خطاب وطني جامع يتجاوز التخوين ويؤسس للسيادة على أساس قانوني.

 

رابعًا: تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة وذلك لرفع الحرج عن المؤسسات الرسمية، يمكن للحكومة السودانية دعم لجنة وطنية مستقلة تضم خبراء دوليين في القانون وحقوق الإنسان والأسلحة المحظورة، وتفتح أبوابها أمام الصحفيين والمنظمات، لتقديم رواية موثقة على أرض الواقع.

 

خامسًا: تعبئة الدعم من التحالفات الإقليمية والدولية حيث يمكن للسودان أن يتحرك دبلوماسيًا داخل الاتحاد الأفريقي، الجامعة العربية، منظمة التعاون الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، من أجل إصدار بيانات دعم ترفض العقوبات الاستباقية وتدعو إلى التحقق أولًا، بدلًا من التجريم السياسي.

 

وحتي تنجح هذه الاستراتيجية في مواجهة التنمر الأمريكي يجب علي السودان تجنب الردود الانفعالية أو الغاضبة التي تؤكد الصورة النمطية. كما يجب عليه عدم رفض الاتهامات دون تقديم بدائل أو معلومات. ولا بد من حضور الإعلام الوطني والدولي في ساحة هذه المعركة الدبلوماسية بان تقوم وزارتي الاعلام والخارجيه بدورهما الإعلامي علي اكمل وجه.

ويتساءل السودانيون، بل ويشاركهم هذا التساؤل كثير من المراقبين حول العالم: لماذا اختارت الولايات المتحدة هذا التوقيت بالذات لإثارة اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السودان؟ ما الذي يدور في خلد واشنطن؟ هل هي بالفعل مدفوعة باعتبارات إنسانية بحتة، أم أن في الأمر ما هو أبعد من ذلك؟

 

وتتزامن هذه الاتهامات مع تحقيق الجيش السوداني تقدمًا ميدانيًا ملموسًا، ونجاحه في السيطرة على قواعد كانت بحوزة قوات الدعم السريع، حيث عُثر — بحسب مصادر عسكرية — على منظومات متطورة للتشويش والاتصال والتجسس، يُعتقد أن بعضها أمريكي الصنع أو على صلة بتقنيات غربية. هنا يبرز السؤال الأخطر: هل تحاول الولايات المتحدة التغطية على دور خفي في دعم الميليشيا، من خلال توجيه الأنظار نحو اتهامات للجيش السوداني، دون أدلة ميدانية؟ وهل بات من الضروري فتح تحقيق دولي مستقل، لا في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية فحسب، بل أيضًا في مصادر تسليح الأطراف المتحاربة، ومن زوّد من، ولماذا؟

 

هذه الأسئلة لا تملك الحكومة السودانية وحدها الحق في طرحها، بل تفرض نفسها على الضمير العالمي بأسره، لأن ما يحدث في السودان اليوم يعكس إلى حد بعيد نمطًا تكرّر في أكثر من ساحة: اتهامات بلا تحقيق، وعقوبات بلا دليل، وتجاهل متعمد لما تفرزه الوقائع من حقائق قد تكون محرجة لبعض القوى الكبرى.

 

وخلاصة القول إنّ اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، في هذا التوقيت الحساس من انتصارات الجيش السوداني، تذكّرنا بمأساة قصف مصنع الشفاء عام 1998، ومأزق العدالة الانتقائية في العلاقات الدولية. لكن هذه المرة، لدى السودان فرصة نادرة لتقديم نموذج جديد في المواجهة: لا بالصراخ ولا بالإنكار، بل بالدبلوماسية الذكية، كما فعل رامافوزا، وبالانفتاح على التحقيقات، لا الهروب منها. ففي عالم مشبع بالتضليل الإعلامي والهيمنة السياسية، يظل المنطق والحقائق هما خط الدفاع الأول، والدبلوماسية الرصينة هي الطريق الأنجع نحو الانتصار الأخلاقي والسياسي معًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى