بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :عرضحال عاجل الي رئيس الوزراء

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :عرضحال عاجل الي رئيس الوزراء
السيد رئيس الوزراء، المحترم
تحية طيبة وبعد،
أعانكم الله على المسؤولية الجسيمة التي حملتموها في ظرف وطني بالغ التعقيد، حيث يتطلع السودانيون لحكومة تستعيد ثقتهم في الدولة وتفتح أبواب العدالة والكرامة أمام المواطن. وإننا نرى أن حجر الزاوية في هذا المسعى ليس إلا إصلاح الخدمة المدنية، التي تمثل مرآة الدولة أمام شعبها، والميدان الأول الذي يختبر فيه الناس جدية أي مشروع إصلاحي.
لا شك انكم تابعتم مؤتمر الخدمة المدنية الذي انعقد في بورتسودان في أبريل 2025 تحت شعار “خدمة مدنية فاعلة مستدامة”. وبالرغم من أهمية التوصيات التي خرج بها المؤتمر من حيث التشريعات والبنية التنظيمية، إلا أن الواقع اليومي المرير الذي يواجهه المواطن في دواوين الحكومة ظل غائباً عن المعالجات. ولهذا فإننا نرفع إليكم هذه المذكرة بما نعتقد أنه يمثل جوهر الإصلاح الحقيقي والملموس.
أولاً: أوجه القصور الجوهرية في الخدمة المدنية.
1. تسيب الموظفين وضعف الانضباط:
تأخر الحضور، الخروج المبكر، الغياب دون إذن، والمماطلة في أداء المهام أصبحت سلوكاً يومياً في كثير من المؤسسات، مما يؤخر مصالح المواطنين، ويعمق الإحباط العام. المواطن قد يذهب لإنهاء إجراء بسيط، فيفاجأ بأن الموظف “لسه ما جا” أو “طلع بدري”، دون محاسبة أو تعويض عن التأخير.
2. الرشوة والابتزاز الإداري:
الفساد الصغير – الذي يطلق عليه البعض “تليين الإجراءات” – استشرى في المؤسسات، ولا يتم غالباً عبر الموظفين أنفسهم فقط، بل من خلال شبكة غير رسمية تتكون من عمال النظافة، والحراس، وحتى بائعات الشاي، مقابل مبالغ رمزية لتسهيل الوصول أو تجاوز الطوابير.
3. المحسوبية والوساطة:
غياب العدالة في تقديم الخدمة يُفقد المواطن ثقته في الدولة. حين يكون “صاحب الواسطة” هو أول من تُنجز معاملته، بينما تُؤجل معاملة الضعيف، فإن الإحساس العام بالتمييز يصبح جزءاً من الثقافة الإدارية. وهذا يقوض مبدأ المواطنة.
4. إهدار وقت الدوام الرسمي في الإفطار والشاي:
رغم أهمية الاستراحة، فإن واقع الحال يشير إلى أن الموظفين يقضون أوقاتاً طويلة في تناول الفطور داخل المكاتب، بل أحياناً يستخدم “الفطور الجماعي” كوسيلة لاسترضاء المسؤولين. والمواطن يُطلب منه “الرجوع بعد الفطور”، وكأن الخدمة متوقفة على الوجبة لا الواجب.
5. غياب نظام الأرشفة المنظم:
لا تزال الملفات تُحفظ بطريقة بدائية في كثير من المؤسسات، بلا فهرسة أو رقم مرجعي دقيق، ما يؤدي لضياعها أو إتلافها أو المطالبة بإحضارها مرة أخرى من قبل المواطن. وهذا يُعد هدراً للوقت، وتقصيراً في حفظ حقوق الناس.
6. البيروقراطية المرهقة وتعقيد الإجراءات:
لا توجد معايير زمنية لإنجاز المعاملات. المواطن يُطالب بوثائق لا معنى لها، ويُطلب منه التنقل بين إدارات متعددة دون توجيه واضح. لا يوجد جدول زمني لإنجاز المعاملات، ويشيع استخدام عبارات مثل “تعال بكرة” أو “راجعنا بعد أسبوع”.
7. سوء بيئة الخدمة العامة:
بعض المرافق تفتقر للكهرباء، أو الحواسيب، أو الطابعات، أو حتى النظافة الأساسية. المواطن يُجبر على الوقوف تحت الشمس، أو على الأرض، في ظل انعدام أماكن انتظار لائقة، وغالباً لا يعرف الرسوم أو الإجراءات بسبب غياب لائحة واضحة، مما يفتح باب الاستغلال.
ثانياً: مقترحات عملية ومباشرة للإصلاح.
1. تشكيل فرق تفتيش ميدانية مفاجئة:
فرق مستقلة، مدربة ومزودة بصلاحيات، تقوم بجولات دورية ومباغتة على المؤسسات، ترصد الحضور والانضباط وجودة الأداء، وتعد تقارير ترفع مباشرة لرئاسة الوزراء. الشفافية في نتائج هذه الزيارات ستخلق رقابة شعبية وردعاً ذاتياً للموظفين.
2. تثبيت كاميرات مراقبة في صالات الخدمة:
هذه التقنية غير مكلفة نسبياً، وتخلق بيئة عمل أكثر انضباطاً. الكاميرات تسهم في منع الرشوة، ومتابعة الأداء، ومحاسبة من يسيء معاملة المواطنين، مع مراعاة الخصوصية.
3. وضع صناديق شكاوى ومقترحات فعّالة:
يجب ألا تكون هذه الصناديق مجرد ديكور إداري. يجب ربطها بمنصة إلكترونية رقابية، يُمكن عبرها تتبع البلاغات، وضمان سرية الشكوى، وسرعة الاستجابة. على المؤسسات الرد خلال 72 ساعة كحد أقصى.
4. تحديد زمن قياسي لكل معاملة:
إصدار “دليل خدمة مدنية” يوضح زمن كل إجراء، الرسوم الرسمية، والوثائق المطلوبة، ويُنشر في المكاتب وعلى الإنترنت، ويلزم الموظف بإكمال الإجراء في الوقت المحدد أو إحالة السبب لرؤسائه.
5. تفعيل نظام “النافذة الواحدة”:
بحيث يُنجز المواطن كل معاملته من موقع واحد، دون الحاجة للتنقل بين مكاتب عدة. ويُفضل تخصيص مسار خاص لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
6. عرض لائحة الإجراءات والرسوم في مكان واضح:
يُلزم كل مكتب حكومي بوضع لوحة كبيرة توضح نوع الخدمة، الوثائق المطلوبة، المدة الزمنية، والرسوم المستحقة. هذا يُقلل فرص التلاعب، ويُمكن المواطن من معرفة حقوقه وواجباته.
7. أرشفة المعاملات إلكترونياً:
اعتماد نظام إدارة معلومات مركزي، يُتيح تتبع أي ملف، والرجوع إليه عند الحاجة، ويمنع فقدانه أو تلفه. هذه الخطوة ستقضي على ظاهرة “ضياع الملف”، وتوفر وقتاً ثميناً للمواطن والمؤسسة على السواء.
8. تدريب الموظفين بانتظام:
دورات في مهارات التواصل، الحوسبة، أخلاقيات الوظيفة العامة، حقوق المواطن، تُصبح شرطاً أساسياً للترقية أو التقييم السنوي. الموظف غير المدرب هو عبء لا أداة إصلاح.
9. تقنين استراحات الإفطار داخل ساعات العمل:
وضع فترة استراحة قصيرة، موحدة، ومعلنة، يلتزم بها الجميع دون تعطيل سير العمل. كما يُمنع تناول الأطعمة في مكاتب استقبال الجمهور.
10.تحسين بيئة الخدمة ومرافق الانتظار:
توفير مقاعد كافية، مراوح أو تكييف، دورات مياه، لافتات واضحة، ونظام انتظار رقمي. هذه ليست رفاهيات بل حقوق أساسية للمواطن.
الحكومة الإلكترونية: مدخل استراتيجي للإصلاح الشامل
لا يمكن لأي إصلاح إداري أن يُكتب له النجاح دون تبنّي الحكومة الإلكترونية كمنظومة شاملة لتقديم الخدمات، ومكافحة الفساد، ورفع الكفاءة. يجب إطلاق برنامج وطني شامل، تتعاون فيه الوزارات المختلفة تحت قيادة موحدة، لتحقيق الأهداف التالية:
• تقديم المعاملات الحكومية (شهادات، تراخيص، تسجيلات، ضرائب، إلخ) عبر الإنترنت.
• إطلاق بوابة وطنية موحدة للمواطن، ينجز من خلالها معاملاته ويستعلم عن وضعها.
• اعتماد الهوية الرقمية وربطها بسجلات الخدمة لتقليل التزوير.
• استخدام تطبيقات الهواتف الذكية لخدمة القرى والمناطق البعيدة.
• ربط الأداء الفردي للموظف بنتائج رقمية قابلة للقياس.
هذه الخطوة – وإن تطلبت استثماراً أولياً – إلا أنها ستُحدث تحولاً جذرياً في تجربة المواطن، وتقلص التماس المباشر الذي يُغذي الفساد والمحسوبية.
السيد رئيس الوزراء،
لا شك انك نُدرك أن الإصلاح مهمة شاقة، ولكنها ليست مستحيلة. ما نطرحه هنا لا يتطلب ميزانيات ضخمة بقدر ما يتطلب إرادة سياسية، وجرأة في التنفيذ، واستمرار في الرقابة. وإنَّ المواطن السوداني لا ينتظر المعجزات، بل الاحترام والسرعة والعدالة في مؤسسات دولته.
وختاماً، نؤكد أن التاريخ لن يحكم على حكومتكم بعدد المؤتمرات أو جمال الخطب، بل بقدرتكم على تحويل المعاناة اليومية للمواطن في دواوين الدولة إلى تجربة خالية من الذل والتعطيل والابتزاز.
والله ولي التوفيق.








