رأي

معتصم الحارث الضوّي يكتب : 35 مهمة على مكتب رئيس الوزراء بروف كامل إدريس

بعد طول انتظار استجابت الحكومة السودانية للمطالب الشعبية المشروعة باختيار رئيس وزراء مدني يجمع بين الاستقلال السياسي والكفاءة المهنية وحوزته رؤية لما ينبغي أن تكون عليه أحوال البلاد.

بطبيعة الحال سارع الكثيرون من كل حدب وصوب إلى توجيه الأسهم المسمومة إلى الرجل، وكالعادة لقيت تجاوبا من بعض المنتمين إلى حزب الكنبة، ولكن الاستجابة الهادئة من إعلان رفض المخصصات الحكومية، وتقديم إقرار مالي تبرئة للذمة، واطلاع الكثيرين مؤخرا على مؤلفات بروفيسور كامل إدريس التي تحمل تصورا واضحا عن مستقبل البلاد رجحّت الكفة، ومنحت الرجل فرصة زمنية ليطّلع العالم على كيفية إدارته لشؤون الدولة، وهذا بلا شك موقف منطقي وعقلاني.

وصل رئيس الوزراء اليوم إلى أرض الوطن، وهو يحتقبُ آمالا عريضة وأفكارا وخططا يؤمن بنفعيتها وجدواها، وفي ذات الوقت توّجسات من القوى المضادة التي ستعمل على “تكسير المجداف” وما أكثر تلك القوى وأشرسها!

لذا، ومن باب المناصحة العلنية، أرسلُ هذا الخطاب المفتوح إلى معالي رئيس الوزراء، فلا خير فينا إن لم نقُلها، خاصة وأن المسؤوليات جسيمة والعقبات كبرى، وليس آخرا المال شحيح في خزائن الدولة.

إن المهمة الأولى، وربما الأعظم التي ستواجه رئيس الوزراء، هي اختيار فريق عمل خلاّق من وزراء ومستشارين.. إلخ يتسم بالكفاءة والاستقلالية بعيدا عن المحاصصات الجهوية.. إلخ، وبشكل عام، يمكن تقسيم التحديات التي تواجه رئيس الوزراء وفريق عمله إلى آنية ومتوسطة من المنظور الزمني.

*المتطلبات الآنية*
(دون ترتيب يتصل بتنفيذها: الفترة من الآن- 6 شهور قادمة)

*متطلبات سياسية ودبلوماسية*
1. تعزيز المكانة السياسية لرئيس الوزراء وحكومته بخلق شراكات سياسية واضحة المعالم يضطلع بتخطيطها وتنفيذها وطنيون مخلصون، ومن الأهمية بمكان في هذا السياق الحصول على دعم شعبي جارف.
2. إعادة ضبط البوصلة للعلاقات الخارجية، وتفعيل دور حيوي ومدروس بعناية فائقة لمؤسسة الخارجية السودانية، والسعي الحثيث للاحتواء والتحييد، إن لم يكن الكسب إلى الصف، للدول المُعادية، وبصفة خاصة دول الجوار. كما يشمل الملف خلق علاقات وطيدة وصحية مع الجارين الأهمين؛ مصر وجنوب السودان.
يتضمن هذا الملف أيضا خلق تفاهمات براغماتية مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة على أساس المصلحة العليا للبلاد والمرونة (الماكيافيللية) معا، وهذه قضية تحتاج إلى قدر فائق من الحصافة والحنكة والدهاء الدبلوماسي.
3. دعم وزارة الثقافة والإعلام، وتعزيز الدور الإعلامي فائق الأهمية في صياغة حاضر البلاد ومستقبلها.

*متطلبات صحية*
1. معالجة وباء الكوليرا الذي استشرى في سبع ولايات هي: الخرطوم، والجزيرة، وسنار، وشمال كردفان، ونهر النيل، والبحر الأحمر، والشمالية.
2. دعم المستشفيات والمرافق الصحية بأسرع ما يمكن.
3. تعزيز الشبكة الوطنية لتوزيع الأدوية والمستلزمات العلاجية إلى كافة أرجاء السودان.

*متطلبات إنسانية*
1. إيجاد حل ناجع للمعاناة التي يلاقيها القاطنون في معسكرات النزوح.
2. دعم عمليات العودة الطوعية إلى البلاد على أسس مدروسة تتأسس على تلبية الاحتياجات الأساسية على جناح السرعة.

*متطلبات خدمية*
1. إعمار المدن والمناطق المتضررة جرّاء الحرب.
2. استعادة شبكات المياه والكهرباء والاتصالات وبقية الخدمات البلدية.
3. إصلاح البنية التحتية التي تضررت كثيرا جرّاء الحرب، وتشمل الطرق والسكك الحديدية وشبكات الصرف الصحي وتصريف المياه (خاصة والخريف على الأبواب).
4. إصلاح وإعادة تأهيل العملية التعليمية، ووضع قوانين ولوائح مرنة تتيح الفرصة لتطويرها في المستقبل المنظور.

*متطلبات اقتصادية*
1. دفع مرتبات الموظفين وإنعاش الخدمة المدنية من غيبوبتها المزمنة، ويشمل ذلك تفعيل منظومة حديثة للمراقبة والمتابعة والمُساءلة والمحاسبة والعقاب للمفسدين والمرتشين، وذلك في إطار مراجعة جذرية لأجهزة الرقابة الحكومية، وتشمل ديوان المراجع العام.
2. معالجة التضخم وانهيار العملة الوطنية، وإعادة النظر في الدولار الجمركي وأنظمة الجمارك والضرائب، والإعفاء الكامل والفوري للمُدخلات الزراعية بكافة أنواعها من كافة أنواع الرسوم الحكومية.
3. ترشيد الإنفاق الحكومي، وتحديد أولويات الإنفاق حسب الأولوية التي تجمع ببراعة بين ميزانية الحرب ورفع الأعباء عن كاهل المواطن قدر الإمكان.
4. تأهيل بنك السودان وتطوير عمل البنوك التجارية العاملة في البلاد.
5. إعادة تأهيل المصافي والمرافق النفطية، وتفعيل نظام صارم لتوفير الوقود بكافة أنواعه، ويحمي المواطن من غلواء السوق الموازية.
6. استقطاب التمويل والاستثمارات الخارجية إلى البلاد، وذلك بعد مراجعة متعمقة لقانون الاستثمار الأجنبي.
7. معالجة أزمة غلاء الأسعار وندرة السلع الأساسية.

*متطلبات أمنية*
1. دعم الشرطة والأمن ومكافحة الجريمة والعصابات المُنظّمة والتهريب.
2. ضبط الحدود وعمل المطارات والموانئ البرية والبحرية وتفعيل الرقابة الصارمة.

*متطلبات دستورية وقانونية*
1. استعادة العمل بدستور 2005 على جناح السرعة.
2. تعزيز سيادة القانون والمؤسسات، وضمان استقلال القضاء، وإعادة النظر في القوانين البالية، واستحداث قوانين مؤقتة (ريثما تُعقد الانتخابات) تغطي خلو التشريعات السارية من تأطير معالجات تشريعية للعديد من القضايا المؤرقة، مثالا: قانون الخصوصية الشخصية/ المؤسسية وحماية البيانات، وقانون الذكاء الاصطناعي.. إلخ.
3. إنشاء مفوضية للتحقيق في جرائم الحرب بكافة أنواعها، وربطها بالأجهزة العدلية والقضائية.
4. تعزيز حق الوصول إلى المعلومات وأُطر الشفافية الحكومية.
5. دعم المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة ومراقبة الأداء الحكومي (ضمن ضوابط صارمة لا تدع مجالا للعمالة إلى جهات خارجية).

*المتطلبات المتوسطة (6-12 شهرا)*
1. الحوار مع القوى السياسية بُغية الإعداد لمؤتمر وطني لبلورة تصور جامع عن مستقبل البلاد.
2. نزع أسلحة الميليشيات بعد المؤتمر الوطني الجامع المذكور أعلاه.
3. إطلاق عملية لدمج المقاتلين السابقين في المجتمع.
4. النظر في قانون التنظيم الحزبي، والقانون واللوائح المُنظّمة للانتخابات.
5. التشاور الشعبي الواسع تمهيدا لصياغة وثيقة المصالح الوطنية الجامعة، واستقطاب الدعم السياسي لها من مختلف الجهات.
6. استكمال عملية الانتقال المدني.
7. الإعداد لمؤتمر واسع حول المصالحة المجتمعية الشاملة.
8. تعزيز اللا مركزية السياسية والإدارية، وتفعيل مؤسسات الحكم المحلي والإقليمي.
9. إصدار الخطة الاقتصادية الشاملة، وتشمل تنويع مصادر الدخل الحكومي، وتعزيز الصناعة والزراعة والصناعات التحويلية، ومعالجة الأسباب الجذرية للفقر، والتنمية البشرية، والنهضة في مجال التعليم العام والعالي والتقني، وتفعيل القطاع التعاوني.. إلخ.

لقد تعمّدتُ عدم التطرّق إلى المتطلبات بعيدة الأجل (حسب هذا التعريف الزمني الخاص) لأن تطورات الأحداث تفرضُ في بعض الأحيان تغيّرات كبرى في المسيرة.

إن السهام المسمومة لم ولن تعود إلى أغمادها، وهذا مما يزيد من مشقة السير على درب تكتنفه الأشواك بالفعل، ولذا يجدر برئيس الوزراء الجديد ألا يغفل للحظة عن المتربصين، فهُم لا يصدرون عن مواقف شخصية ضده، ولكنهم يسعون لإفشال التجربة لأن المنصب المرموق آلَ لغيرهم فحسب! ما أسقم هذا التفكير السائد لدى جماعة ساس يسوس!

المهام التي ستواجه معالي رئيس الوزراء الجديد ضخمة بلا شك، ومن أهم العقبات التي ستواجهه، بخلاف الأعداء الواضحين والثقافة الديوانية السلبية، شُح الموارد الحكومية، ولكن ثمة وسائل ذكية ومُستحدثة لتغطية العجز في الموازنة، ويمكن القول بشكل عام إن طبيعة المرحلة الحرجة تتطلب، بل تجعلُ حتميا، اللجوء إلى حلول مُبتكرة (خارج الصندوق كما يحلو للبعض) وتفكير إبداعي فذّ.

حفظ الله الوطن والمواطن.

https://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1748539927&rn=1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى