بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :المغتربون السودانيون… الحبل السري الذي لم ينقطع

حين انهارت مؤسسات الدولة، وتوقفت الرواتب، وخلت الأسواق من ضروريات الحياة، لم يجد السودانيون داخل البلاد ما يسندهم سوى ذلك الحبل السري الممتد عبر البحار: أبناؤهم المغتربون. ومع اشتعال الحرب في السودان منذ أبريل 2023 واستمرارها لأكثر من عامين، لم يبقَ المغترب مجرد باحث عن رزق أو مستقرٍ في أرض أخرى، بل تحوّل إلى شريان حياة، يضخ ما استطاع من دعم لأسرٍ تقطعت بها السبل في الداخل والخارج.
نزح أكثر من ثمانية ملايين سوداني داخل البلاد، بحسب تقارير الأمم المتحدة، فارين من الخرطوم ودارفور ومدن أخرى نحو الشرق والجنوب. لم تكن وجهاتهم مخيمات مجهزة، بل منازل أقارب ضاقت بما فيها، أو مراكز إيواء لا تقي بردًا ولا تضمن كرامة. وهكذا تعددت وجوه الحاجة: إيجار، فرش، علاج، تعليم، طعام، ومواصلات. في مواجهة هذا الطوفان، ووسط شلل البنوك وانهيار النظام المالي، وجد الملايين أنفسهم معلقين بخيط واحد: تحويلة مالية من مغترب يعمل في الغربة.
ولم تعد أسرة المغترب محصورة في بيته الصغير خارج الوطن، بل امتدت لتشمل الوالدين، والإخوة، والأخوات، وأبناءهم، وحتى جيرانًا كانوا ذات يوم جزءًا من ذاكرة الطفولة. كل مكالمة عبر “الواتساب” باتت تحمل نداءً عاجلًا: دواء، عملية، مصروف، إيجار، أو مجرد وجبة تسد رمق يوم.
ولم يقتصر هذا الدور على الداخل فحسب، بل امتد إلى تسهيل النزوح نفسه، داخل السودان وخارجه. خلال الأيام الأولى للحرب، تكفّل المغتربون بتأمين مساكن بديلة للنازحين في المدن التي وصلوا إليها، فاستأجروا الشقق، وغطّوا نفقات الإيجار المرتفعة، وجهزوا بيوت الأقارب بفرش وطعام ومستلزمات معيشة. كما ساعدوا في ترتيب الخروج عبر الحدود لمن استطاعوا الهروب، فتكفلوا بتكاليف استخراج الجوازات المفقودة، والتأشيرات، وتذاكر السفر جوًا وبرًا وبحرًا، ثم دعموا من وصلوا إلى وجهاتهم بترتيب الإقامة، وتأمين المأوى، ومصروف الحياة.
وفي دول مثل مصر، كانت المفاجأة حاضرة على وجوه الكثيرين ممن تساءلوا بدهشة حقيقية: “من أين لهؤلاء السودانيين كل هذا؟ لا أحد يعمل، ومع ذلك يسكنون ويأكلون ويلبسون!”، وكان الجواب في الغالب لا يُقال، لأن الحقيقة تسكن في الرسائل البنكية الصامتة التي يرسلها مغترب كل أسبوع، وفي التضحية اليومية التي لا تُرى، لكنها تحمي مئات الأسر من الجوع والانكسار.
أما على الضفة الأخرى، فهناك من عبروا الحدود حاملين وجعهم معهم. عائلات بأكملها استقرت مؤقتًا في تشاد، جنوب السودان، إثيوبيا، أو ليبيا، واحتاجت إلى كل شيء من جديد: سكن، طعام، تعليم، علاج، في بيئة لا ترحم الغريب ولا تنتظره. وسط هذا كله، بقي المغترب السوداني هو “البنك الوحيد” الذي لا يُغلق، رغم أن أغلبهم يعمل في وظائف متواضعة، يوزّع دخله القليل بين ما عليه في المهجر وما ينتظره في الوطن.
ومع امتداد الأزمة، تجاوز الأمر حدود الواجب الفردي، وتحولت الجهود إلى مبادرات جماعية. في السعودية، الإمارات، قطر، تركيا، أميركا، وأماكن أخرى، تشكّلت شبكات دعم سودانية يقودها شباب متطوعون، يجمعون التبرعات ويوثقون الحالات ويوصلون المساعدات بشكل مباشر. وكم من عائلة سودانية في الداخل تلقت تحويلة أو دعمًا من أشخاص لا تعرفهم، سوى أنهم شاركوها وطنًا ومحنة.
وبين كل هذا الصخب، غابت الكاميرات، ونامت العناوين الإخبارية، بينما ظل صوت المغترب خافتًا… لا يسمعه أحد سوى أولئك الذين ينتظرون رسائله كل يوم. لم تكن هناك أضواء تسلّط على ما يفعل، بل رسائل مقتضبة، واتصالات خاطفة، وقلوب مرهقة تعمل في صمت لا ينقطع. غربتهم تحوّلت إلى غرفة طوارئ دائمة، لا تعرف الليل من النهار. يبدأ يومهم بتحويلٍ يسابق أزمة، ويمتد إلى دعم نفسي يرمم المنهكين، وينتهي برسائل عزاء تواسي القلوب المكلومة. لم يكن لديهم وقت للحديث عما قدموه… لأنهم ببساطة كانوا منشغلين بالفعل نفسه.
وبعد استكمال طرد الجنجويد من المدن التي احتلوها، من الدندر إلى الصالحة، وعودة الأمل تدريجيًا إلى بعض مناطق السودان، ظهرت مرحلة جديدة من الأعباء التي تنتظر هذا المغترب الصامد. فقد بدأت آلاف العائلات رحلة العودة إلى ديارها، لتكتشف أن العودة ليست نهاية المعاناة، بل بداية فصل جديد من التحدي. المنازل التي تركوها باتت مدمرة أو مسروقة أو متصدعة، تحتاج إلى صيانة كاملة. الأثاث تبخّر، الأجهزة تعطلت، والحياة من جديد تحتاج إلى من يعيد تأسيسها.
هنا يعود المغترب مرة أخرى إلى واجهة المسؤولية. مصاريف السفر، شراء تذاكر العودة، تجهيز المساكن، فرش البيوت، دفع رسوم الدراسة في المدارس المتوقفة أو الخاصة، توفير الاحتياجات اليومية في اقتصاد منهك… كلها التزامات ثقيلة لا يحملها إلا من يقيم خارج السودان، لكنه يحمل الوطن كله في قلبه.
وسط هذا المشهد، يثبت المغترب السوداني مرة تلو الأخرى أنه ليس مجرد رقم في قوائم التحويلات أو موردًا للعملة الصعبة، بل هو صمام أمان اجتماعي، وفاعل وطني أصيل، تحمل في غربته عبء دولة كاملة غابت عن مشهدها المؤسسات.
لقد حان الوقت للاعتراف بهذا الدور الجوهري، لا بالمديح العابر، بل بسياسات تحفّز وتحمي هذا الرصيد البشري النبيل. فالمغترب السوداني يجب أن يُعامل بوصفه شريكًا في البناء، لا مجرد مصدر دخل. يستحق رعاية قانونية، وإعفاءات وتسهيلات حقيقية، وسياسات استثمارية تستوعب إمكاناته، وتعيد له الشعور بأن الدولة التي خدمها في غيابها، قد عادت لتعترف بفضله.
فقد أثبت المغتربون أن الحب الحقيقي للوطن لا يُختبر في الحفلات ولا في الخطابات، بل في تحويلة تصل في آخر الشهر، أو في أثاث يُشترى لمنزل مهدم، أو في دمعة يبتلعها المغترب في صمت، بينما يبتسم على الطرف الآخر من الهاتف، ليطمئن من يحب.








