رأي

توفيق جعفر يكتب شاعر وقصيدة.. خليل عجب الدور : من وحي القبوب بين الطين والربوب ..!

نص :
وليلة بتها والجو معتكر
والأفق بالسحب أمسي جد مشحون ..
قضيتها ساهر أحتك من شعت
ومن قروح دوام فهي تبكيني
حتي إذا أنقشع الصبح المنير
وقد حملت في الإبط فراري وسكيني
وسرت مبتدرا للزرع في نفر
من ( المساليت) هم نصف الثلاثين
من كل من إسمه موسي بن أبكر
ولد( إساغة) أو عيسى بن هارون
ولقمة من دقيق الدخن دافئة
ألذ في البطن من قراصة الفيني
صنعتها بيدي في الصاج لينة كأنما صنعت في دوكة الطين
لها بخار يروق النفس وهي به تزداد نفعا للمصارين
ملاحها ويكة لايوقة وبه ملح أجاج وفيه فص عطرون
ذاك الملاح لذيذ كالطبيخ لنا يشتاقه الكل من حين إلي حين
فٱن عدمنا فهناك الزاد لا حرج
فكلنا يأكل الحميض كالتين
وإن ظمئنا شربنا الماء من حفر
فيها الدغاليب أضعاف الملايين
إني هناك نحيل الجسم من تعب
ممزقات قبيحات دلاقيني
مشمر الساق حاف غير منتعل
وحاسر الرأس في شكل المجانين ..
وفي البيوت أراني في رفاهية
مشرب الوجه من غسل بصابون
فكل من زارني في البيت يحسبني ضيف من الهند أو ضيفا من الصين ..!

تتجلي عبقرية شاعرنا الكبير خليل ود عجب الدور في مزج العامية بالفصحي، وطرافة المعاني بنظم فيه شيء كثير من نظم القدامي ..
في شعره حسن ترسل، وحكايا فهو يحول القصيدة لوصف مسرحي، وأحيانا تبدو كلوحة مكتملة الألوان، ومفعمة بالأحاسيس …
قدم البروفيسور عبد الله الطيب ديوان خليل عجب الدور، وأبتدر كاتبا أحاسيسه يوم لقاه أول مرة :
( ولقيت رجلا وسيما أخضر اللون علي وجهه بعض من وخط المشيب ، وفي عينيه علي الكهولة بريق القلب الذكي النجيب، والخاطر المشبوب اللبيب)
واصل خليل عجب الدور عذوبة التماسك في شعر القريض ، غني للقضارف البلدة التي أقام فيها ودرس في بدايتها وحضرها أنشأ لجمال الطبيعة والإبداع الذي يكتنف تلك المدينة الساحرة :

ألم تر أن هاتيك اللواري تروح وتغتدي في كل ساعة
محملة تنوء بما عليها من المحصول والشحن المباعة
وأسواقا هنالك كل يوم صباحا ومساء تزخر بالبضاعة
ألا راكبا في ( البص) فأنزل تريث في القضارف نصف ساعة
وفي القضارف يحلو الطعام هناك في الخلاء حيث ينخرط غالب سكانها في موسم الزراعة :

يا حبذا (لقمة) في الصبح دافئة ألذ في الأكل من قراصة الفيني
لها بخار زكي كالدعاش تزيد نفعا للمصارين ..
ملاحها ( ويكة) لايوقة معها حبات ملح مرير الطعم مشحون
وقطعة من ( كجيك) فيه فائدة لمن شكا الضعف أو نقصا في الفتامين
هذا الملاح اللذيذ الطعم تصنعه عمالنا في كل الأحايين
يا عاملا بات طول الليل من وسخ في الجسم مكتئبا في ذلك الحين
سواد جسمك يا هذا أحب لنا من كل لون غريب غير مأمون

تتصل عند خليل عجب الدور ناصية التفرد ..يصور الطفولة وألعابها وكانت مليئة بطاقة وبراءة وجمال :

إذا قذف الشليل وغاب عنا شغلنا وراءه منا العقول
سلوني عن ( شليل) إن جهلتم شليلا وأسمعوني لما أقول
شليل عظم شاة أو بعير سليب اللحم أبيض مستطيل
نسر به طوال الليل حتي يكاد النجم يشمله الأفول
وإذا أنتظمت بنا في الليل ( شدت) وضوء البدر منتشر جميل
سمعت صياحنا ورأيت قفزا غبار تحت أرجلنا يجول
وما ( شدت) سوي وثبات قوم هم لله درهم فحول
كثيرا ما يعمد شاعرنا إلي توظيف كلامنا وألغازا نستخدمها يوميا .. لكنها تعطيك انطباعا شاعريا مميزا :

تهاجمها الكلاب ضحي فتحري ونحن وراءها ( إش إش) نقول
وذو القمصان عيش الريف دوما علي الكانون نسمعه يقول (طق طق) متفجرا كمفرقعات ( تش تش) كالشحم لكن لا يسيل …

ونواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى