حسين محمد علي يكتب : تآكل الراتب الوظيفي.. وطناش الجانب الحكومي!!

حسين محمد علي يكتب :
تآكل الراتب الوظيفي.. وطناش الجانب الحكومي!!
(١)
دولة بلا خطة استراتيجية، ولا تخطيط ممنهج يسير على هدي من العلم، والمعرفة لبلوغ الأهداف.. هكذا هي الأمور عندنا،، حتى اللحظة،، بالتركيز واسقاط هذا القول على أداء (الخدمة المدنية في السودان)، من حيث دورها وتطويرها،، والتزامات المخدم (حكومه السودان) تجاه رعايا الخدمه المدنية (الموظفين والعمال)،، ومطالبات اذالة الاحتقان وهضم الحقوق.. وبين هذا وذاك.. يظل الموظف السوداني الاقل أجرا بين دول العالم بما يقابل الاحتياجات اليومية لتسيير إحتياجات الاسره والالتزامات الماليه.
(٢)
وقد شخص العالم والباحث السوداني سليمان صالح ضرار، المقيم بلندن العلل والأمراض التي اصابت الخدمة المدنية، متسائلا في بحثه( هل الخدمة المدنية في السودان بحاجه الى شركة عالمية لتطويرها؟).. ويجيب بنفسة ليس من المقدور بالحاله المالية السودانية (المفلسة)، أن يستقدم شركه عالمية لتطوير الخدمة المدنية، ولكن هناك منح من امريكا والدول الأوربية التي سيتم دفع تكاليفها من الشركات العالمية، وذلك للكسب السياسي في بلادهم.
(٣)
وكأنما كتب علي نصيب السودان من كل هذا التطور أنه حقل تجارب لهذه الدول وكرت تلوح به على أنها تعمل لتطوير الدول النامية.
حيث انه لم يكن في السودان من يصلحون للعمل في بداية عهد الخدمة المدنية الحديثة، لذا لجأت الحكومة لاستقدام الأجانب، ولتجنب استخدام سودانيين غير موثوق بولائهم لها يثورون ضدها، كما حصل للحكم التركي، قامت الحكومة باستقدام موظفين غير مسلمين. أما بالنسبة للعمال المهرة فلقد كان الموقف أكثر سوءاً.
(٤)
ويرى الباحث صالح عثمان ضرار ان بداية دخول السودانيين للخدمه المدنية بدا بعد انشاء كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم حالياً)، والتي تعتمد الخدمة المدنية على خريجي المدارس والمؤسسات التعليمية ليشغلوا المناصب في أجهزة الحكم والإدارة. وعندما دخل الاستعمار الثنائي السودان لم يجد نظاماً تعليمياً مدنياً يبني عليه، فكان لزاماً عليه أن يبني مؤسسات تعليمية مدنية حديثة تمده بخريجين يعاونونه في إدارة البلاد بدلاً عن الأجانب. وإلى جانب المدارس أنشأت الحكومة كلية غردون التذكارية وافتتحها اللورد كرومر في نوفمبر العام 1902، ولقد قال اللورد كتشنر صاحب فكرة إنشاء الكلية عند افتتاحها “إنه يتوقع أن تكون الكلية القاعدة التي تنطلق منها شرارة التقدم الاجتماعي والاقتصادي في السودان”. لقد كان إنشاء الكلية والمدارس المدنية حدثاً تاريخياً في مسيرة تطور السودانيين الذين كانوا آنذاك متمسكين بالتعليم الديني ويرتابون في أهدافها وعزفوا عنها.
(٥)
كان الهدف من نشر التعليم الأولي هو تأهيل المواطنين لشغل الوظائف الحكومية. أما إنشاء المدارس الصناعية فكان لتدريب فئة قليلة من العمال المهرة. وبدأت المدارس الأولية بفصل واحد لتدريب المعلمين والإداريين. أما كلية غردون فقد كانت المصدر الوحيد لمد الحكومة بالموظفين في الوظائف العليا المخصصة للسودانيين. لقد كانت السياسة التعليمية مفصلة لتلبية احتياجات الدولة من المتعلمين.
(٦)
وتحولت كلية غردون في العام 1913م إلى مدرسة ثانوية يتخرج منها المدرسون والمهندسون والقضاة وكانت الوظائف في انتظارهم، خاصة أبناء الذين تعاونوا مع الاستعمار، فكانت لهم الحظوة لأنهم مكان الثقة.
في العام 1919، افتتحت مدرسة نواب المآمير التي هي اللبنة الأولى لدخول السودانيين في السلك الإداري. ولم يؤثر توظيف السودانيين على أعداد البريطانيين الذين كانوا بالخدمة في المناصب العليا، وكانت الحكومة لا تنوي سودنة السلك السياسي بل كانت تنوي حله بعد أن يتطور السودان في الحكم المحلي، ولكن الحرب العالمية الثانية أطالت عمر هذا السلك لتتم سودنته فيما بعد.
(٧)
في العام 1924 أعلن البريطانيون أن السير لي استاك حاكم عام السودان وسردار الجيش المصري (سُمي عليه معمل استاك في الخرطوم) أُغتيل بالرصاص في القاهرة. واهتزت العلاقات البريطانية المصرية، وطالب المعتمد البريطاني في مصر اللورد اللنبي من حكومة سعد زغلول أن تدفع مصر لبريطانيا تعويضاً نصف مليون جنيه، وأن تأمر ضباطها وجنودها من المصريين من الانسحاب من السودان في ظرف أربع وعشرين ساعة، كما طلب اجلاء جميع الموظفين المصريين من الأراضي السودانية إلخ … واستقالت حكومة سعد زغلول جراء الضغوط البريطانية، وخلفتها وزارة أخرى دفعت الغرامة وأمرت بسحب الضباط والجنود والموظفين المصريين من كل الأراضي السودانية (تاريخ السودان الحديث، ضرار صالح ضرار). هكذا انفردت بريطانيا بحكم السودان وتخلصت من مصر ومن كل العسكريين والموظفين المصريين.
(٨)
كان هذا العام نقطة تحول كبيرة بالنسبة للسودانيين نسبة للأحداث السياسية التي ذكرناها، فحلّ السودانيون بالجملة محل الموظفين المصريين الذين عادوا إلى بلادهم. ولكن لم يتأثر عدد البريطانيين الذين هم في الخدمة المدنية في السودان. وأثبت بعض الموظفين السودانيين كفاءتهم في وظائفهم الجديدة.
وكان مقتل السير لي استاك في القاهرة، الحادثة التي غيّرت مجرى الخدمة المدنية في السودان، حيث استغلتها بريطانيا لطرد كل الموظفين المصريين العاملين في السودان وحلّ السودانيون في وظائفهم بالجملة.
وكان عدد السودانيين في الخدمة المدنية قليلاً جداً، وبالرغم من هذا قام الحكم الثنائي، الذي كان المخدم الوحيد آنذاك، بوضع شروط لموظفيها من أجانب وسودانيين، وصدرت لوائح بدل السفرية والنقل وقواعد الاستخدام ما بين 1900 ـ 1910. كان الهيكل الوظيفي بسيطاً يلبي احتياجات تلك الفترة التي كانت فيها الخدمة المدنية نفسها بسيطة وغير متخصصة وتقدم خدمات يسيرة للمواطنين. وصدر في العام 1903، أول كادر للإداريين، وفي العام 1905، صدر المنشور المالي الذي حدد مرتبات الإداريين حتى مساعدي المفتشين. وجرت تعديلات في هيكل الخدمة المدنية، ولكنها جميعاً لم تكن علمية. أما الخدمة في الشركات، التي كانت معظمها أجنبية، فقد كان التوظيف فيها للعناصر الأجنبية الموجودة في السودان فقط.
(٩)
اذا كان ما عرضناها تاريخ مختصر لبداية الخدمه المدنية في السودان، كان ذلك قبل الاستقلال، فقد بدأت اللبنة الأولى له مع عهد الاستعمار،، فإن تطور الاداء في الخدمه المدنية السودانية لم يواكب العولمه في الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال، حيث أن تعدد الانقلابات العسكرية، وفوضوية الثورات المصطنعه اضرت بمسيره الخدمه المدنية إلى يومنا هذا.. والوضع اذداد سؤا مع بزوغ فجر الإنقاذ التي عمدت إلى مجزره الاستغناء عن الموظفين عبر قاعده (الصالح العام)،، تحت غطاء (عدم الولاء السياسي) ثم اعقبت ذلك بتعين الموظفين بالتركيز على (الكم) وليس (الكيف) لخدمه اجندتها في التصويت لها في (الانتخابات الشكلية) التي كانت تجريها من وقت لاخر بهدف اضفاء الشرعية (للحكومة الدكتاتورية) ثم انها اهملت جانب التدريب للكادر إلا لأهل الحظوه من المنتسبين للحزب الهدام.. وطلت حقوق الموظف السوداني محلك سر.
(١٠)
ثم حلت الطامه الكبرى بعد دخول البلاد في مستنقع العنف والعنف المضاد بداية بحرب الجنوب ثم انفصالة، ثم العراك والنزاع في دارفور منذ العام (2003م)،ثم تأثيرات الثوره المصنوعه في (2018م)،ثم دخول البلاد في حرب شعواء بعد تمرد (الدعم السريع على الدوله) في الغام (2023م)،والذي أدى إلى إنكماش الاقتصاد، والذي أدى بدوره الي تآكل الراتب الوظيفي.. اعقبه طناش من الجانب الحكومي رغم النداءات المتكرره، من قبل الموظفين بهدف تحسين الأجور لمواكبة انفجار في الأسعار،، ومجاراه حركه السوق،، غير أن كل تلك النداءات كانت في (وادي الصمت).. طناش ثم عدم مبالاه من الجانب الحكومي إلا أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.








