
بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :تعقيب على بيان الفائزين بقرعة الهجرة الأمريكية
ايها السيدات والسادة،
تابعتم وتابعنا مؤخرًا البيان الصادر عن مجموعة من المواطنين السودانيين الفائزين بقرعة الهجرة الأمريكية للعامين 2025 و2026، والذي عبّروا فيه عن صدمتهم من قرار تعليق منح التأشيرات للسودانيين، وطالبوا فيه الحكومة السودانية ممثلة في وزارة الخارجية، بالتدخل العاجل لدى الجانب الأمريكي لرفع الحظر وإتاحة الفرصة لهم لمغادرة البلاد والالتحاق بمصيرهم الجديد في الولايات المتحدة.
وبرغم تعاطفنا الإنساني مع تطلعات أي مواطن نحو تحسين ظروفه المعيشية وملاحقة حلم الاستقرار في بيئة أفضل، فإن من المهم أن نضع الأمور في سياقها الصحيح، ونطرح تساؤلًا جوهريًا:
ما هي مسؤولية الدولة السودانية في مسار اختياري فردي كهذا؟
الهجرة إلى الولايات المتحدة عبر “اللوتري” أو القرعة العشوائية هي إجراء فردي بالكامل. لا يتم بالتنسيق مع الدولة، ولا عبر برامج حكومية. المتقدمون يتحملون مسؤولية قراراتهم واختياراتهم، بما في ذلك كافة المخاطر السياسية والإدارية المرتبطة بها. فكيف يُطلب من الدولة أن تصبح طرفًا في شأن لم تكن طرفًا فيه أصلًا؟ بل يُطلب منها الآن، وهي تمر بأسوأ أزمة سياسية وإنسانية منذ الاستقلال، أن تكرّس جهودها ومواردها في الدفاع عن حق الهجرة الطوعية لأفراد اختاروا مغادرة البلاد بمحض إرادتهم.
ودعونا نكون واضحين: السودان اليوم يواجه كارثة إنسانية مركبة. الملايين نزحوا داخليًا أو فروا عبر الحدود. المدن تنهار، البنى التحتية مدمرة، والمساعدات لا تصل. الملف الإنساني يمثل عبئًا حقيقيًا على الحكومة، بما في ذلك جهود إعادة النازحين، تأمين المعابر، وإعادة الحياة للمناطق المحررة.
فهل من المنطق أن تترك الدولة هذه الملفات المصيرية، وتتفرغ لمخاطبة دولة عظمى بشأن تأشيرات هجرة لأفراد يريدون مغادرة البلد؟
ولا بد للمحتجين ان يدركوا ان القرار الأمريكي بتعليق التأشيرات لا علاقة له بالحكومة السودانية، بل هو قرار سيادي أمريكي ناتج عن اعتبارات أمنية تتعلق بالحرب، أو ربما بضعف البنية الإدارية في إصدار الوثائق من السودان حاليًا. إن كانت هناك أي فرصة لتغيير القرار، فإنها تمر عبر القنوات الأمريكية الداخلية، لا عبر مخاطبات رسمية من وزارة الخارجية السودانية التي لا تمتلك سلطة ولا نفوذًا حقيقيًا في هذا الملف.
وإن ما يثير الاستغراب حقًا هو مخاطبة الفائزين للحكومة السودانية وكأنها طرف مسؤول عن وقف مصيرهم. بل والأدهى، أن بعضهم ذهب إلى وصف القضية بأنها “قضية وطنية”.
أي وطنية في الهجرة الطوعية؟
أليس من الأولى أن نصف عودة ملايين النازحين بأنها القضية الوطنية الحقيقية؟
أليس من الأولى أن نطالب الدولة بتركيز جهودها على ملفات التعليم المنهار، وانهيار الصحة، وانعدام الأمن الغذائي؟
وهذا لا يعني أننا لا نتفهم خيبة الأمل التي يشعر بها الفائزون بقرعة الهجرة. لكن المطلوب هو الواقعية والإنصاف، لا تحميل الدولة ما لا تطيق. وعلى الراغبين في السفر أن يسلكوا السبل القانونية المناسبة داخل الولايات المتحدة، سواء عبر التماس سياسي، أو ضغط قانوني، أو تواصل مدني، لا عبر طرق لا تتناسب مع طبيعة الدولة السودانية ووضعها الراهن.
وخلاصة القول: الهجرة الاستيطانية مسؤولية فردية، وليست التزامًا وطنيًا وكل مهاجر نستودعه الله ونتمني له التوفيق في وطنه الجديد.







