اخباررأي

الأستاذ موسى داؤد يكتب :  خريفُ الثورة.. وربيعُ الطامحينِ في ظلالِ الميليشيا

 

الأستاذ موسى داؤد يكتب :  خريفُ الثورة.. وربيعُ الطامحينِ في ظلالِ الميليشيا

 

في البدء، كانت الكلمة نورًا، وكانت الهتافات أهازيج خلاصٍ تُشعل الميادين. خرج السودانيون من تحت ركام الاستبداد، متوضئين بأمل الحرية، هاتفين بوحدة الحلم، تسبقهم القلوب وتشدّ من أزرهم الأرواح. لم يكن الشعار “حرية، سلام، وعدالة” مجرد نُظمٍ محفوظة، بل كان تعميدًا ثوريًا، وعهدًا يُدَوَّى في كل شارع وزقاق، بأنّ السودان يستحق أن يُولد من جديد، طاهرًا من أدران الدكتاتورية، خالصًا لوجه الشعب.

 

لكنّ المواسم، كما النفوس، تتقلب. وما بين فجرٍ عذب ومساءٍ خائن، اختنقت الثورة بين أنفاس الطامحين وظلال الميليشيا. سُرقت الأحلام على حين غرة، وخدعتنا وجوهٌ ادّعت الوفاء، فكانوا أول من باع، وكانوا أول من خان. من تصدّروا المنابر باسم الثورة، تهاوَوا في دهاليز الأطماع، وبدّلوا النقاء بالخديعة، والصوت الحرّ بالصفقات القذرة.

 

ركب الطغاة صهوة الميليشيا حين عجزوا عن مجابهة الوعي، وحين لم يسعفهم المنطق، اختاروا السلاح والمليشيا دربًا للبطش. كانوا يعلمون أن لا مكان لهم في عقول الأحرار، فاختاروا أن يزرعوا الرعب في صدورهم.

 

وما كان الخراب محليًا فحسب، بل امتدت أصابع الخيانة من وراء البحار. الإمارات، التي حمل لها السودانيون في وجدانهم وِدًا قديمًا، والتي أودعوا فيها علمهم وعرقهم وأحلامهم، نكثت بكل العهود، وتنكرت لكل جميل. لقد علّمها السودانيون كيف تُبنى الجيوش، وكيف تُدار المدارس، وكيف تُحترم الأوطان، فإذا بها تموّل الدمار، وتشتري الدم، وتُسلّح القتلة، وتغرس سُمَّ الميليشيا في جسد الوطن.

 

بوقاحة سياسية لا تعرف الخجل، وبنفاقٍ يجلل وجهها، موّلت الإمارات ميليشيا الدعم السريع، مدّتها بالسلاح والمال والغطاء، دعمت معها مدنيين انتهازيين، تحوّلوا إلى أبواقٍ مدفوعة الأجر، يتاجرون بثورةٍ لم يخطّوا فيها سطرًا واحدًا من الصدق. خدعوا الناس بشعارات مصقولة، ظاهرها الثورية وباطنها التبعية، قالوا ما لا يؤمنون به، وفعلوا ما لا يجرؤ عليه أعداء الداخل.

 

وكم من لسانٍ ناطقٍ بالثورة، تبيّن أنّه مترجمٌ لنوايا الانتهازيين، وكم من يدٍ رفعت شارة النصر، كانت في الخفاء توقّع اتفاقيات الخيانة. لقد سقطت الأقنعة، وظهر المستور.

 

فارس النور، الذي كان يومًا منارات الاعتصام، بات واليًا للميليشيا.

محمد حسن التعايشي، الذي زُفَّ إلى الجماهير كأيقونة للمدنية، صار رئيسًا لحكومة تُدار من فوهات البنادق.

علاء الدين نقد، الطبيب الثائر، تحوّل إلى ناطقٍ رسمي باسم السُلطة الميليشياوية.

محمد يوسف أحمد المصطفى، الأكاديمي الرصين، صار جزءًا من منظومة تُدين الفكر وتُمجّد البندقية.

خالد عجوبة، عاد لا كصوت عدالة بل كظلٍ باهتٍ للعنف.

وحتى دسيس مان، الصوت الذي كان نشيد الثورة، صار ترنيمةً في معسكر الجنجويد.

 

أيُّ دربٍ هذا الذي أضلّهم؟ وأيُّ غاية تلك التي برّرت لهم الخيانة؟

 

لم يكن السقوط من أعداء الخارج أشدّ مرارة من طعنة الداخل. أن تُخدع من خصمك فذلك من طبائع الحروب، أما أن تُطعَن من رفاق الطريق، فذلك الكسر الذي لا يُجبر.

 

الإمارات، التي استثمر فيها السودانُ من روحه وعلمه، ردّت الجميل بخنجرٍ مسموم. دعمت الخراب، لا البناء، وروّجت للفتنة لا للوئام، وسعت للتقسيم لا للتوحيد.

 

لكن السودان باقٍ. لا تقتله الخيانات، ولا تضعفه الرياح. السوداني الحرّ لا يُشترى، ولا يُهزم. خلف الجيش الباسل، يقف شعبٌ لا يعرف الانكسار، شعبٌ علّم العالم أن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الوطن لا يُدار بالوصاية، بل يُبنى بالتضحية.

 

نكتب لا لنرثي الثورة، بل لنُحييها في ذاكرة الأمة، ونحفر حكايتها في وجدان الأجيال. نكتب حتى لا يُقال يومًا إنّا سكتنا، أو إنّا قبِلنا، أو إنّا ساوَمنا على الوطن.

 

سودانٌ حرّ، ديمقراطي، لا ميليشيا فيه، ولا استعمار، ولا وصاية. بل وطنٌ يُصانُ بالدم والفداء، وتُزهِرُ فيه رايات الكرامة من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى