
بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :معالي وزير الثروة الحيوانية والسمكية.. مقترح لدعم التنمية المستدامة والزراعة التقليدية والنقل الريفي في السودان.
معالي الوزير،
مما لا شك فيه ان السودان يواجه تحديات كبيرة في قطاع الزراعة التقليدية والنقل الريفي، من ارتفاع اسعار الآلات الزراعية ووسائل النقل فضلا عن الندرة والتكاليف المتصاعدة للوقود والصيانة، إلى جانب ضعف البنية التحتية في القرى النائية والمناطق الصعبة الوصول. هذه التحديات تجعل من الضروري البحث عن حلول عملية ومستدامة لدعم صغار المزارعين والمجتمعات الريفية.
وفي هذا السياق، يمثل البغل – الهجين الناتج من تزاوج الحصان والحمار – خياراً استراتيجياً لإعادة التوازن بين الإنتاج الزراعي والتنمية الريفية. فهو يجمع بين قوة الحصان وصلابة الحمار، ويتميز بالتحمل العالي، ما يجعله مناسباً للعمل في مختلف البيئات السودانية، من سهول الجزيرة الزراعية إلى المناطق الجبلية والمناطق النائية في جنوب كردفان والنيل الأزرق والسافنا.
أهمية البغال للزراعة والتنمية الريفية
بالنسبة للزراعة التقليدية فيمكن استخدام البغال في الحرث والجر وترحيل البذور والأسمدة، مما يخفف الاعتماد على الآليات المكلفة.
اما في النقل الريفي فيمكن للبغل ان يسهم بقدر كبير في نقل المحاصيل والسلع من الحقول إلى الأسواق المحلية، ويُسهم كذلك في توصيل الموارد الأساسية مثل الماء والأعلاف للأسر في القرى النائية.
وهناك خدمات إضافية للبنية الريفية اذ يمكن للبغال أن تُستعمل في نقل النفايات في المدن والقرى كما يمكن استعمالها بواسطة الشرطة للمساعدة في الحفاظ على الأمن في المناطق النائية والوعرة التي يصعب استعمال وسائل المواصلات الالية فيها، كما تعد البغال وسيلة مواصلات فعالة في موسم الأمطار عندما تصبح الطرق غير صالحة للمركبات.
واذا نظرنا للبغل من حيث الكفاءة مقارنة بالحمار— بالنظر إلى أن الحمار مستخدم بشكل واسع في السودان في الزراعة والنقل الريفي— فان ادخال هذا الحيوان سيمثل نقلة نوعية في قطاع النقل، فهو أكثر قوة و تحملاً وكفاءة من الحمار، ويمكن أن يكون خياراً أفضل في عدم توفر وسائل ميكانيكة لدعم النشاط الزراعي والريفي في الظروف الحالية.
اما في مجال دعم المجتمعات الريفية فان البغل سوف يوفر مصدر دخل إضافي وفرص عمل مرتبطة بتربية البغال ورعايتها ويكون بمثابة ادخال عنصر جديد للثروة الحيوانية في البلاد بما يسهم في استقرار الأسر الريفية.
البغال في التجارب الدولية
ومن الملاحظ أن العديد من الدول، بما فيها دول متقدمة مقارنة بالسودان، ما زالت تستخدم البغال بشكل واسع في الزراعة والنقل الريفي. ومن أبرز هذه الدول: تونس، الجزائر، المغرب، بعض دول شرق أوروبا، دول حوض البحر المتوسط، وأمريكا الجنوبية. هذه التجارب العالمية تثبت أن البغال لا تزال أداة فعالة ومستدامة، ويمكن للسودان الاستفادة من خبرات تلك الدول.
اقول قولي هذا وانا ادرك ان الكثيرين سيرمونني بالرجعية والتخلف. ولكني اقول لهم ان الولايات المتحدة الأمريكية – برغم تقدمها التكنولوجي الهائل – ما زالت تولي البغال مكانة خاصة. فقد لعبت دوراً محورياً في تاريخها الزراعي منذ القرن الثامن عشر عندما ساهم الرئيس جورج واشنطن نفسه في نشر تربيتها. استخدمت البغال على نطاق واسع في مزارع القطن والتبغ، وفي النقل وبناء السكك الحديدية، بل وحتى في الجيش الأمريكي خلال الحربين العالميتين. واليوم، ما زالت تُستخدم في المزارع الصغيرة والمتنزهات الوطنية مثل غراند كانيون لنقل السياح والبضائع في المناطق الجبلية الوعرة، كما توجد جمعيات متخصصة في تربيتها مثل الجمعية الأمريكية للحمار والبغل.
ففي ولاية نورث كارولينا حيث اعيش الان، وعلي الرغم تراجع اعتماد المزارع الكبرى على البغال بعد انتشار الميكنة الزراعية، إلا أن الولاية ما زالت تحتفظ بتراثها مع البغال، وتُعتبر إحدى المراكز التاريخية والثقافية للبغال في الولايات المتحدة. كما يوجد مهرجان سنوي في مدينة بنسون بولاية نورث كارولاينا، بدأ منذ عام 1949 وما زال مستمراً حتى اليوم. يجذب عشرات الآلاف من الزوار ويعتبر من أكبر المهرجانات المخصصة للبغال في أمريكا. هذه التجربة تؤكد أن البغال لا تزال أداة عملية ومستدامة حتى في أكثر الدول تقدماً. فلماذا نستنكف نحن عن استخدام البغال؟
ولزيادة إنتاج البغال وتحسين جودتها، وانتم ادري بذلك مني، يمكن الاستعانة بالتلقيح الصناعي والذكاء الاصطناعي كوسائل مساعدة في برامج الوزارة، بما يضمن إنتاج بغال قوية وصالحة للعمل الزراعي والنقلي دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على الطرق التقليدية.
اما الفوائد المتوقعة للسودان فتشمل:
—تعزيز الأمن الغذائي عبر تمكين صغار المزارعين من وسائل إنتاج ونقل منخفضة التكلفة.
—خفض التكاليف الاقتصادية والبيئية مقارنة بالاعتماد على الآليات الثقيلة والوقود.
—حماية البيئة باستخدام وسائل طبيعية صديقة للبيئة وإنتاج سماد عضوي.
—تمكين المجتمعات الريفية من الاعتماد على مواردها المحلية وخلق فرص عمل إضافية.
ولا يفوتني ان اذكر انني انني عندما كنت صغيرا كان البغل في مدينتنا سنجة من أكثر الحيوانات المستخدمة في النقل وفي مقدمتها جر عربات الكارو بالاضافة الي استعمالة كوسيلة مواصلات للشرطة وخفر مجلس ريفي شمال الفونج وحراس الغابات علاوة علي خفر الادارة الأهلية متمثلة في ألمك حسن عدلان ناظر عموم قبائل الفونج ، رحمه الله.
وعليه، فاني أتقدم لكم بهذا الاقتراح— مع كامل الاحترام والتقدير— متمنيا النظر فيه والموافقه عليه باطلاق برنامج وطني لإنتاج البغال، يشمل الزراعة التقليدية والنقل الريفي، مع الاستفادة من التلقيح الصناعي والذكاء الاصطناعي كوسائل مساعدة لتحسين الإنتاجية والجودة. كما يمكن للوزارة التعاون مع الجامعات والمؤسسات البحثية والقطاع الخاص لإنشاء شبكة وطنية لتربية وتوزيع البغال، بما يدعم التنمية الريفية المستدامة في السودان.
معالي الوزير، إن تبني هذا المشروع يمثل استراتيجية وطنية متكاملة تدمج بين الإنتاجية، حماية البيئة، والأمن الريفي، ويضع السودان في موقع ريادي في مجال التنمية الزراعية المستدامة، مستفيداً من التجارب العالمية ومن الكفاءة العالية للبغال مقارنة بالوسائل المكلفة والملوثة للبيئة المستخدمة حالياً في البلاد بما في ذلك التكتك والركشة.
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام والتقدير.
بكري موسي عبد الكريم








