عادل محمد الخطيب يكتب :العدالة العرجاء

عادل محمد الخطيب يكتب :العدالة العرجاء
في دولة يُفترض أنها تقوم على سيادة القانون، يصبح من الطبيعي أن يُنظر إلى الحكم القضائي النهائي على أنه نهاية لمسار طويل من النزاع، وأنه يمثل الكلمة الأخيرة التي يتعين على الجميع احترامها وتنفيذها دون مماطلة أو انتقائية. لكن الواقع يُكذب أحيانًا ما ينبغي أن يكون من المسلمات، ويكشف عن هشاشة في الممارسة، حين يُلقى بالحكم جانبًا، وتُغلق الأدراج على الحقوق، وتُترك العدالة تترنح في انتظار قرار إداري أو مزاج شخص في موقع مسؤولية.
الحقوق لا تُستجدى، ولا تُوهب، ولكن تُنتزع. هذه حقيقة تترسخ في الوجدان كلما طالت رحلة المطالبة بالإنصاف، وكلما تقاطعت الحقوق الفردية مع السلطة التنفيذية. أمام ثلاثة وزراء داخلية، وُضع حكمٌ صادر عن المحكمة، بعد استنفاد كل درجات التقاضي. حكمٌ واضح لا لبس فيه، لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل، ومع ذلك، ظل حبيس الأدراج، كأنه وثيقة غير مُلزمة أو توصية غير ذات قيمة.
وفي ظل هذا التعطيل المتعمد، دفع ضباط ثمنًا فادحًا، لا لشيء سوى أنهم طالبوا بحقهم الذي أقرته المحكمة. فقد بعضهم وظائفهم، وتوقفت حياتهم المهنية، وتحوّل حق أبنائهم في التعليم إلى حلم مؤجل أو ضائع، ومنهم من غادر هذه الحياة وهو يحمل في قلبه حسرة المظلمة التي لم تُرفع، والحق الذي لم يُنصف، والقانون الذي لم يجد طريقه إلى التنفيذ.
ليست المأساة في صدور الظلم وحده، بل في التغاضي عن الحكم الذي يُفترض أن يُنهيه. العدالة هنا لم تكن عمياء، بل عرجاء، تتعثر حين يتعلق الأمر بإنصاف من تصادم مع مؤسسات الدولة، وتتلكأ حين يصبح تنفيذ الحكم عبئًا على سلطة لا ترغب في الاعتراف بخطأ أو مراجعة قرار. وهذا الخلل لا يمس الأفراد وحدهم، بل يهز جوهر الدولة، ويبعث برسالة خطيرة إلى المجتمع، مفادها أن القانون قد لا يكون مرجعية نهائية، وأن الحقوق قد تظل معلّقة إلى أجل غير مسمّى، مهما كانت المحكمة قد قالت كلمتها.
ما جدوى القضاء إذا لم تُنفذ أحكامه؟ وكيف يُطلب من المواطن احترام القانون إذا كانت مؤسسات الدولة نفسها تنتقي متى تطبقه؟ ليس في الأمر خلاف قانوني، بل تجاهل صريح لحكم نهائي ملزم، ومماطلة لا مبرر لها سوى التراخي في احترام مبدأ دولة القانون.
نكتب اليوم لا لنستدر عطفًا، ولا لنطالب بما ليس لنا، بل لأن الصمت تواطؤ، ولأن الاعتراف هو البداية الحقيقية لأي إصلاح. لا نبحث عن امتياز، بل عن تنفيذ حكم قضائي وُجد ليُنصف من ظُلِم، لا ليُزين الرفوف. إننا لا زلنا نؤمن بأن الحقوق تُنتزع، لكننا نؤمن أيضًا أن الدولة القوية ليست تلك التي تُخضع مواطنيها، بل تلك التي تُخضع نفسها للقانون.








