رأي

موسى داؤد يكتب : الفاشر.. مدينة الصمود في وجه آلة الإبادة

موسى داؤد يكتب :

الفاشر.. مدينة الصمود في وجه آلة الإبادة

 

 

 

سيكتب التاريخ بمدادٍ من نور أنّ الفاشر ارتقت لتكون أيقونةً للصمود الإنساني في وجه أعتى الجرائم. فهنا، حيث تكسّرت أنياب المِحن، سطّر أهلها ـ شيباً وشباباً، نساءً وأطفالاً ـ ملحمةً إنسانيةً باهرة، فكانوا المثال الأصدق على أنّ الإرادة إذا اقترنت بالإيمان تصنع معجزات البقاء.

 

لقد فرضت مليشيات الدعم السريع المجرمة حصاراً خانقاً لا يعرف له التاريخ مثيلاً؛ حفرت الخنادق، وقطعت شرايين الحياة من ماءٍ وغذاءٍ ودواء، ثم أغرقت سماء المدينة بالقذائف والصواريخ والطائرات المسيّرة. ولم تكتفِ بذلك، بل طاردت النازحين في معسكرات زمزم وأبو شوك ونيفاشا، الذين شُرِّدوا من قبل، لتغتالهم مرّةً أخرى في جريمةٍ مضاعفة ضد الإنسانية.

 

لقد ارتُكبت في الفاشر إبادة جماعية مكتملة الأركان: قتلٌ على الهوية، وذبحٌ بسبب اللون واللغة، وإحراقٌ للمزارع والمتاجر، وردمٌ للآبار، وتجويعٌ ممنهج يرقى إلى استخدام المجاعة سلاحاً للحرب، أي قتلٍ بطيء يمارس بدمٍ بارد ضد شعبٍ أعزل. وحتى موظفو الإغاثة لم يسلموا من رصاص الغدر، حين اغتيل سائقو الشاحنات الإنسانية وأُحرقت قوافل المساعدات في الكومة، في خرقٍ صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية.

 

أيُّ حريةٍ تلك التي ترفعها المليشيات شعاراً وهي تُبيد البشر وتقتلعهم من جذورهم؟ وأيُّ ديمقراطيةٍ تُمارس بالبارود والنار وتُشيَّد على جماجم الأبرياء؟ إنّها جريمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، وسقوطٌ مروّع في هاوية اللاإنسانية.

 

إنّ الإنسان هو جوهر الدولة، وبقاؤه هو أصل الشرعية، لكن عند مليشيات الجنجويد صار الإنسان بلا قيمة، يُباد من أجل سلطةٍ زائفة وموارد منهوبة لإرضاء مموليهم في حلف الشر. تناسوا أنّ الله خلق الإنسان ليُعَمِّر الأرض بالخير، وأنّ من أراد إفناءه سيعود عليه الشرُّ مهزوماً.

 

ومع ذلك، تبقى الفاشر شامخةً في كبريائها، واقفةً كالنخيل في وجه الريح العاتية. إنّ شجاعة رجالها، وبطولة شبابها، وصبر شيوخها، ودموع نسائها، كلّها شواهد على أنّ الحقّ أبقى من الباطل، وأنّ الإرادة أقوى من السلاح. وبإيمانهم الصلب، ودعوات الأحرار من أبناء السودان، سيُكتب النصر، وتنهزم جحافل الارتزاق والعمالة، وتظلّ الفاشر منارةً للمقاومة وكرامة الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى